زاد المعاد

وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم والمنهج المستقيم. أرسله الله رحمةً للعالمين، وإمامًا١ للمتقين، وحجَّةً على الخلائق أجمعين. أرسله على حين فترة٢ من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل. وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته والقيام بحقوقه، وسدَّ دون جنته الطرق، فلم يفتح٣ لأحد إلا من طريقه. فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وِزره، وجعل الذلَّة والصَّغار على من خالف أمره.

ففي «المسند»٤ من حديث٥ عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحدَه لا شريك له. وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي. وجُعِل الذلَّة والصَّغار على مَن خالف أمري.

  1. (١) من هنا بداية النسخة الكتانية (ك).
  2. (٢) ك: «على فترة».
  3. (٣) مب: «تفتح».
  4. (٤) برقم (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧). وأخرجه أبو داود مختصرًا (٤٠٣١). وعلَّق البخاري بعضه قبل الحديث (٢٩١٤) بصيغة التمريض. انظر: «تغليق التعليق» (٣/ ٤٤٥، ٤٤٦). ومدار الحديث على عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، وهو مختلف فيه، قال يعقوب بن شيبة: «اختلف أصحابنا فيه، فأما يحيى بن معين فكان يضعِّفه، وأما علي ابن المديني فكان حسَن الرأي فيه، وكان ابن ثوبان رجل صدق». وعليه فالإسناد محتمل للتحسين وقد حسّن الحديث ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٦٩) وذكر أن أحمد وغيره احتج به، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٩)، والحافظ في «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٢)، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (١٢٦٩). وله شواهد، لكنها ضعيفة أو مرسلة. وانظر: «أنيس الساري» (٧/ ٤٩٧٨ - ٤٩٨١).
  5. (٥) بعده في ن: «أبي منيب الجرشي عن»، وكذا في النسخ المطبوعة.
7

ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم».

وكما أن الذلَّة مضروبة على من خالف أمره، فالعزُّ لأهل طاعته ومتابعته. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].

وقال تعالى١: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. أي: الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون٢ معه إلى أحد. وهنا تقديران، أحدهما: أن تكون الواو عاطفةً لـ (مَنْ) على الكاف المجرورة. ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار، وشواهده كثيرة، وشُبَهُ المنع منه واهية.

والثاني: أن تكون الواو واوَ مع، وتكون (مَنْ) في محلِّ نصب عطفًا على الموضع، فإن «حسبك» في معنى «كافيك»، أي الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم. قال الشاعر:

إذا كانت الهيجاء وانشقَّت العصافحسبُك والضحاكَ سيفٌ مهنَّدُ٣
  1. (١) من هنا تبدأ النسخة العراقية (ع).
  2. (٢) ك، ع: «ولا تحتاجون».
  3. (٣) عزاه القالي في «ذيل الأمالي» (ص ١٤٠) إلى جرير، ولم يرد في ديوانه. وقد ورد البيت في مصادر كثيرة ولكن دون عزو. انظر مثلًا «معاني القرآن» للفراء (١/ ٤١٧) و«الأصول» لابن السراج (٢/ ٣٧) و«جمهرة اللغة» (٢/ ١٠٤٧) و«سمط اللآلي» (٣/ ٦٥).
8

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي