زاد المعاد

وهي بمعنى الامتحان والاختبار والابتلاء من الله لعباده بالخير والشر بالنِّعَم والمصائب؛ فهذه لون، وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ماله وولده وجاره لونٌ آخر.

والفتنة التي يوقعها بين أهل الإسلام، كالفتنة التي أوقعها بين أصحاب عليٍّ ومعاويةَ، وبين أهل الجمل وصِفِّين، وبين المسلمين حتى يتقاتلوا ويتهاجروا١ = لون آخر، وهي التي قال فيها النبي ﷺ: «ستكون فتنة: القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي»٢. وأحاديث الفتنة التي أمر النبي ﷺ فيها باعتزال الطائفتين هي هذه الفتنة.

وقد تأتي الفتنة مرادًا بها المعصية، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾، يقوله الجَدُّ بن قَيس لمَّا ندبه رسولُ الله ﷺ إلى تبوك، يقول: ايذن لي في القعود ولا تفتنِّي بتعرُّضي لبنات الأصفر، فإني لا أصبر عنهن٣، قال تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، أي: وقعوا في فتنة النفاق وفرُّوا إليها من فتنة بنات الأصفر.

والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبَرِّئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير وأنَّ ما عليه أعداؤُه المشركون أكبرُ وأعظمُ من مجرَّدِ القتال في الشهر

  1. (١) ص، د: «أو يتهاجروا». ع: «تقاتلوا وتهاجروا».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٦٠١) ومسلم (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٤٩١ - ٤٩٣). وقال ابن عبد البر: وقد قيل إنه تاب فحسنت توبته، والله أعلم. «الاستيعاب (١/ ٢٦٧).
199

الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك أو مُقصِّرين نوعَ تقصيرٍ يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرةِ مع رسوله وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍجاءت محاسنه بألف شفيع

فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍّ جاء بكل قبيح، ولم يأتِ بشفيع واحد من المحاسن!

فصل

فلما كان في شعبان من هذه السنة حُوِّلت القبلة، وقد تقدم ذكر ذلك١.

فصل

فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العِير المُقبلةِ من الشام لقريش صحبةَ أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسولُ الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا، لأنه خرج مسرعًا في ثلاثمائة وبضعةَ عشرَ رجلًا. ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسان: فرس للزبير بن العوام وفرس للمقداد بن الأسود الكندي٢.

  1. (١) (ص ٨٠).
  2. (٢) ذِكر الفرسَين روي من حديث علي عند الحاكم (٢/ ١٠٥، ٣/ ٢٠) والبيهقي في «الدلائل» (٣/ ٣٩) بإسناد لا بأس به. وروي عنه من وجهٍ آخر أنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد». أخرجه أحمد (١٠٢٣) وابن خزيمة (٨٩٩) وابن حبان (٢٢٥٧) بإسناد جيِّد. والأول يؤيده ما ذكره أهل المغازي بأسانيدهم. انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ٢٧) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٢١).
200

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي