وكان علي ﵁ يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحج: ١٩]١.
ثم حَمِي الوطيس واستدارت رَحى الحرب واشتدَّ القتال، وأخذ رسولُ الله ﷺ في الدعاء والابتهال ومناشدة ربِّه ﷿ حتى سقط رداؤه عن منكبه، فردَّه عليه الصدِّيقُ وقال: بعضَ مناشدتك ربَّك، فإنه منجزٌ لك ما وعدك٢.
فأغفى رسول الله ﷺ إغفاءةً٣، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه وقال: «أبشِرْ يا أبا بكر! هذا جبريلُ على ثناياه النَّقْعُ»٤.
وجاء النصر، وأنزل الله جندَه، وأيَّدَ رسولَه والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
(١) أخرجه البخاري (٣٩٦٥، ٣٩٦٧، ٤٧٤٤) دون أن يكون أقسم عليه، وأخرج (٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٣) عن أبي ذرٍّ أنه هو الذي أقسم عليه.
(٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس عن عمر ﵃ بنحوه. وهو عند البخاري (٢٩١٥) عن ابن عباس من وجه آخر.
(٣) بعده في ن، هامش ز، النسخ المطبوعة: «واحدة».
(٤) «النقع» هو الغبار. والحديث ذكره موسى بن عقبة عن الزهري كما في «دلائل النبوة» (٣/ ١١٤)، وابنُ إسحاق عن شيوخه كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٢٧) و«الدلائل» (٣/ ٨١)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ٨١). ويشهد له ما أخرجه البخاري (٣٩٩٥) عن ابن عبّاس بلفظ: «هذا جبريل آخِذٌ برأس فرسه عليه أداةُ الحرب».
فصل
ولمَّا عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدَّى لهم إبليس في صورة سُراقة بن مالك المُدْلِجي ــ وكان من أشراف بني كنانة ــ فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانةُ بشيءٍ تكرهونه، فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم، فلما تَعَبَّئُوا للقتال ورأى عدوُّ الله جندَ الله قد نزلت من السماء فرَّ ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سُراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال:١ إني أرى ما لا ترون، إني أخاف اللهَ والله شديد العقاب٢؛ وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله، وقيل: كان خوفُه على نفسه أن يهلك معهم، وهذا أظهر.
ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلةَ حزبِ الله وكثرةَ أعدائه ظنُّوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، فقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾[الأنفال: ٤٩]، فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيزٌ لا يغالَب، حكيمٌ ينصر من يستحق النصرَ وإن كان ضعيفًا، فعزَّتُه وحكمته أوجبت نصرَ الفئة المتوكلة عليه.
ولما دنا العدوُّ وتواجه القوم قام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم