وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلفٍ وابنَه عليًّا، فأبصره بلال ــ وكان أمية يُعذِّبه بمكة ــ فقال: رأس الكفر أمية بن خلف! لا نجوتُ إن نجا! ثم استوخى جماعةً من الأنصار، واشتدَّ عبدُ الرحمن بهما يُحرِزهما١ منهم، فأدركوهم فشغلهم عن أميةَ بابنه، ففرغوا منه ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرُكْ، فبرك فألقى عليه نفسه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه وأصاب بعضُ السيوف رِجل عبد الرحمن بن عوف. وقال له أمية قبل ذلك: مَن الرجل المعلَّم في صدره بريشةِ نَعامة؟ فقال: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أميةُ قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع، فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا، فجعني بأدراعي وبأَسِيريَّ٢!
وانقطع يومئذ سيفُ عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ فأعطاه النبي ﷺ جِذْلًا من حطب فقال: «دونك هذا»، فلما أخذه عكاشة وهزَّه عاد في يده سيفًا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قُتِل في الردة أيام أبي بكر٣.
ولقي الزبير عبيدةَ بن سعيد بن العاص وهو مُدجَّج في السلاح لا يُرى منه إلا الحَدَق، فحمل عليه الزبير بحَربته فطعنه في عينه فمات، فوضع رِجْلَه على الحربة ثم تمطَّى فكان الجَهْدُ أن نَزَعها وقد انثنى طرفاها، فسأله إياها
(١) ص، ز، د، ع: «يحوزهما».
(٢) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٣١، ٦٣٢) ــ عن عبد الرحمن بن عوف بأسانيد جياد. وهو في «صحيح البخاري» (٢٣٠١) بنحوه.
(٣) ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٣٧). وأسنده بنحوه الواقديُّ في «مغازيه» (١/ ٩٣) وابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٥٨) بإسنادين واهيين.
رسولُ الله ﷺ فأعطاه، فلما قُبِض رسولُ الله ﷺ أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قُبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه، فلما قُبض وقعت عند آل عليٍّ، فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قُتِل١.
وقال رفاعة بن رافع: رُمِيتُ بسهم يوم بدرٍ فَفُقِئتْ عيني، فبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي، فما آذاني منها شيء٢.
ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى فقال: «بئس عشيرةُ النبي كنتم لنبيكم؛ كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس»٣.
ثم أمر بهم فسُحبوا إلى قليب من قُلُب بدرٍ فطُرِحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يا عتبةُ بنَ ربيعة، ويا شيبةُ بنَ ربيعة، ويا فلان ويا٤ فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا»، فقال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال:
(١) أخرجه البخاري (٣٩٩٨) من حديث عروة بن الزبير عن أبيه.
(٢) أخرجه البزّار (٣٧٢٩) والطبراني في «الأوسط» (٩١٢٤) والحاكم (٣/ ٢٣٢)، وإسناده ضعيف، فيه عبد العزيز بن عمران الزهري، وهو ضعيف منكر الحديث، وبه تعقّب الذهبي تصحيح الحاكم لإسناده.
(٣) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٦٣٨) ــ فقال: «حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال ...». وله شاهد من حديث عائشة بلفظ: «جزاكم الله شرًّا من قوم نبي، ما كان أسوأ الطَّرد وأشدَّ التكذيب». أخرجه أحمد (٢٥٣٧٢) بإسناد فيه انقطاع.