فأبى١؛ ولم يكن عزمُهم على اللقاء، ولا أَعَدُّوا له عُدَّته، ولا تأهبوا له أُهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعاد.
واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا: ستة من المهاجرين وستة من الخزرج، واثنان من الأوس.
وفرغ رسول الله ﷺ من شأن بدر والأسارى في شوال.
فصل
ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سِباعَ بنَ عُرْفُطة ــ وقيل: ابن أم مكتوم ــ، فبلغ ماءً يقال له: الكُدْرِ٢ فأقام عليه ثلاثًا، ثم انصرف ولم يلقَ كيدًا٣.
فصل
ولما رجع فَلُّ المشركين٤ إلى مكة مَوتُورين محزونين نذر أبو سفيان أن لا يُمِسَّ رأسَه ماء حتى يغزوَ رسولَ الله ﷺ، فخرج في مائتي راكب حتى
(١) أخرجه مسلم (١٩٠١) من حديث أنس ﵁.
(٢) هو غير معروف بالتحديد اليوم، ولكن الراكب إذا سار من المدينة يؤم القصيم فقطع قرابة ٨٠ كيلًا كان الكُدر على يمينه في ذلك الفضاء الواسع الذي يمتدُّ إلى معدن بني سليم (مهد الذهب). انظر: «معجم المعالم في السيرة» (ص ٢٦٢).
(٣) «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٣ - ٤٤). وأما الواقدي فجعل هذه الغزاة في المحرَّم، أي بعد غزوة السويق الآتية، وتبعه ابن سعد. انظر: «مغازي الواقدي» (١/ ١٨٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٢٨).
(٤) أي المنهزمون منهم. والفلُّ في الأصل مصدر فلَّه يفُلُّه إذا هزمه، ويأتي بمعنى اسم المفعول فيستوي فيه المفرد والجمع، يقال: رجل فلٌّ وقوم فَلٌّ، وربّما قالوا: فُلُول.
أتى العُرَيض١ في طرف المدينة، وبات ليلةً واحدةً عند سلَام بن مِشْكَم اليهودي، فسقاه الخمرَ وبَطَن له مِن خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا٢ من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له، ثم كرَّ راجعًا.
ونَذِرَ به رسولُ الله ﷺ فخرج في طلبه، فبلغ قَرْقَرة الكُدْر٣ وفاته أبو سفيان، وطرح الكفارُ سَوِيقًا كثيرًا من أزوادهم يتخفَّفُون به، فأخذها المسلمون، فسُمِّيت غزوةَ السويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين٤.
فصل٥
فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية ذي الحجة ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فأقام هناك صفرًا كلَّه من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلقَ حربًا٦.
(١) وهو اليوم حيٌّ معروف بهذا الاسم شرقيَّ المسجد النبوي.
(٢) جمع «الصَّور» بفتح الصاد، وهو النخل المُجتمِع الصِّغار. والذي عند أهل السير أنهم حرقوا فيها، ولم أجد مَن ذكر القطع.
(٣) القرقرة: أرض مطمئنة وسط القاع، لا شجر فيها ولا حجارة، وإنما هي طين. والكُدر سبق التعريف به آنفًا.
(٤) انظر خبر هذه الغزاة عند أبي الأسود عن عروة في «الدلائل» للبيهقي (٤/ ١٦٥)، وعند موسى بن عقبة في «الدلائل» أيضًا (٣/ ١٦٤)، وابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٤)، والواقدي في «مغازيه» (١/ ١٨١)، وابن سعد في «الطبقات» (٢/ ٢٧).
(٥) العنوان ساقط من المطبوع.
(٦) ويقال لها «غزوة ذي أمرَّ». وانظر خبرها عند ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٤٦) والواقدي (١/ ١٩٣) وابن سعد (٢/ ٣١)، وسياق المؤلف برواية ابن إسحاق أشبه.