زاد المعاد

يغسل اقتداءً بالملائكة١.

وقتل المسلمون حاملَ لواء المشركين، فرفعته لهم عَمْرةُ بنت علقمةَ الحارثية حتى اجتمعوا إليه. وقاتلت أم عُمارة وهي نَسِيبة بنت كعب المازِنية قتالًا شديدًا، وضربت عمرَو بن قمئة بالسَّيف ضرباتٍ فوَقَتْه درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحًا عظيمًا على عاتقها.

وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأُصَيرم من بني عبد الأشهل يأبى الإسلام، فلما كان يومُ أحدٍ قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي٢ سبقت له منه، فأسلم وأخذ سيفه ولحق بالنبي ﷺ فقاتل فأُثبِت بالجراح، ولم يَعلم أحد بأمره، فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى يلتمسون قتلاهم فوجدوا الأُصَيرم وبه رمق يسير، فقالوا: واللهِ إن هذا الأُصَيرم، ما جاء به؟! لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر٣، ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله ثم قاتلت مع رسول الله حتى أصابني ما ترون ومات من وقته، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «هو من أهل الجنة». قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاةً قط٤.

  1. (١) واحتجّ به أيضًا من قال: إنه لا يُغسل، لأن بني آدم لم يغسلوه. انظر: «الأصل» للشيباني (١/ ٣٤٦) و«شرح التلقين» (٣/ ١١٨٩) و«المغني» (٣/ ٤٦٩) و«المجموع» للنووي (٥/ ٢٦٠).
  2. (٢) في الأصول: «الذي»، إلا أنه أُصلح في ع إلى المثبت.
  3. (٣) «لهذا الأمر» ليس في م، ق، ب، ث.
  4. (٤) أسنده ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٩٠) وأحمد (٢٣٦٣٤) ــ بإسناد حسن.
234

ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام١ الإسلام بهم، فقال: أمّا هؤلاء فقد كفيتموهم، فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدوَّ الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوءك! فقال: قد كان في القوم مُثلة لم آمُر بها ولم تسؤني، ثم قال: اعْلُ هُبَل! فقال النبي ﷺ: «ألا تجيبوه٢؟» قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم! قال: «ألا تجيبوه؟» قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»٣.

فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشِرْكِه تعظيمًا للتوحيد وإعلامًا بعزَّة من عبده المسلمون وقوةِ جانبه، وأنه لا يُغلَب ونحن حزبُه وجنده؛ ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل قد روي أنه نهاهم عن إجابته وقال: «لا تجيبوه»٤، لأن كَلَبَهُم٥ لم يكن برد بعدُ في طلب القوم، ونارُ غيظهم بعدُ متوقِّدة؛ فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، حمي عمرُ بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبتَ يا

  1. (١) د، المطبوع: «قوام».
  2. (٢) في المطبوع هنا وفي الموضع الآتي: «تجيبونه» خلافًا للأصول. و«تجيبوه» هكذا وقع في رواية أبي ذر الهروي لـ «صحيح البخاري». انظر: «إرشاد الساري» للقسطلاني (٥/ ١٦٠).
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.
  4. (٤) كما في روايةٍ عند البخاري (٤٠٤٣) لحديث البراء السابق.
  5. (٥) أي شدة حرصهم. في المطبوع: «كَلْمهم»، تصحيف.
235

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي