عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثيابٌ بِيض١ كأَشدِّ القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ.
وفي «صحيح مسلم»٢: أنه ﷺ أُفرد يومَ أحدٍ في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: «من يردُّهم عنَّا وله الجنة ــ أو: هو رفيقي في الجنة ــ؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، ثم رَهِقوه أيضًا فقال: «من يردهم عنَّا وله الجنة ــ أو: هو رفيقي في الجنة ــ؟» فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل٣، فلم يزل كذلك حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنصفنا أصحابنا». وهذا يُروى على وجهين: سكونِ الفاء ونصب «أصحابنا» على المفعولية، وفتحِ الفاء ورفعِ «أصحابنا» على الفاعلية.
ووجه النصب أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحدًا بعد واحدٍ حتى قُتلوا ولم يخرج المهاجرون٤ قال ذلك، أي: ما أنصفتْ قريشٌ الأنصارَ.
ووجه الرفع أن يكون المراد بالأصحاب: الذين فرُّوا عن رسول الله ﷺ حتى أُفرِد في النَّفَر القليل، فقُتِلوا واحدًا بعد واحدٍ، فلم ينصفوا رسولَ الله ﷺ ومن ثبت معه.
(١) م، ق، ب: «بياض»، والمثبت لفظ «الصحيحين».
(٢) برقم (١٧٨٩).
(٣) «ثم رهقوة ... حتى قُتل» من ص، د، ن. وقد سقط من سائر الأصول لانتقال النظر.
(٤) ن: «القرشيين».وفي ص كان: «القرشيُّون» ثم ضرب عليه وكتب المثبت. وفي النسخ المطبوعة: «القرشيَّان».
وفي «صحيح ابن حبان»١ عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يومُ أحدٍ انصرف الناس كلُّهم عن النبي ﷺ، فكنت أوَّلَ من فاء إلى النبي ﷺ، فرأيت بين يديه رجلًا يقاتل عنه ويحميه، قلت: كُن طلحة فداك أبي وأمي! كن طلحة فداك أبي وأمي٢! فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح وإذا هو يشتدُّ كأنه طير حتى لحقني، فدَفَعْنا إلى النبي ﷺ فإذا طلحة بين يديه صريعًا، فقال النبي ﷺ: «دونكم أخاكم، فقد أوجب»، وقد رُمِي النبي ﷺ في جَبِينه، ورُمِي في وَجْنَته حتى غابت حلقة من حِلَق المِغْفَر في وجنته، فذهبتُ لأنزِعها٣ عن النبي ﷺ فقال أبو عبيدة: نشدتُك بالله يا أبا بكر إلّا تركتني! قال: فأخذ أبو عبيدة السهمَ بفيه فجعل يُنَضْنِضُه كراهة٤
أن يؤذي رسول الله ﷺ، ثم استلَّ السهم بفيه فنَدَرَت ثنيةُ أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبتُ لآخذ الآخر فقال أبو عبيدة: نشدتُك بالله يا أبا بكر إلا تركتني! قال: فأخذه بفيه فجعل ينضنضه ثم استلَّه، فندرت ثنيةُ أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله ﷺ: «دونكم أخاكم، فقد أوجب»، قال: فأقبلنا على طلحة نُعالجه وقد أصابته بضعة عشر ضربةً.
(١) برقم (٦٩٨٠) بنحوه، واللفظ المذكور إنما هو لهَيثم بن كُليب الشاشي في «مسنده» كما في «المختارة» للضياء (١/ ١٣٧) من طريقه. وأخرجه أيضًا الطيالسي (٦) والبزّار (٦٣) والحاكم (٣/ ٢٧) وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي بأن أحد رواته إسحاق بن يحيى بن طلحة متروك. وذكر ابن كثير في «تفسيره» (آل عمران: ١٥٣) أن علي ابن المديني قد ضعّف هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا.