زاد المعاد

ومنها: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه لأن رسول الله ﷺ لم يُصلِّ على شهداء أحد، ولم يُعرَف عنه أنه صلى على أحد ممن استشهد معه في مغازيه، وكذلك خلفاؤه الراشدون ونوابهم من بعده١.

فإن قيل: فقد ثبت في «الصحيحين»٢ من حديث عُقبة بن عامر أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر.

وقال ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد٣.

قيل: أما صلاته عليهم، فكانت بعد ثمان سنين مِن قتلهم قربَ موتِه كالمودِّع لهم، ويُشبه هذا خروجه إلى البقيع قبل موتِه ليستغفرَ لهم كالمودع للأحياء والأموات٤، فهذه كانت توديعًا منه لهم، لا أنها سنة الصلاة على الميت ولو كان ذلك لم يؤخرها ثمان سنين، لا سيّما عند من يقول لا يصلى على القبر، أو يصلى عليه إلى شهر.

  1. (١) وقد قال المؤلف قبل ذلك في «تهذيب السنن» (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦): «والصواب في المسألة أنه مخيَّر بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحدٍ من الأمرين ...».
  2. (٢) البخاري (١٣٤٤) ومسلم (٢٢٩٦).
  3. (٣) أخرجه ابن ماجه (١٥١٣) والحاكم (٣/ ١٩٧ - ١٩٨) والبيهقي (٤/ ١٢) من حديث أبي بكر بن عيّاش عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس. وإسناده ضعيف، قال البيهقي: لا أحفظه إلا من حديث أبي بكر بن عياش ويزيد، وكانا غيرَ حافظين. وله طريق آخر عن مقسم عن ابن عباس، لكن إسناده واهٍ لا يُفرح به. انظر: «مقدمة صحيح مسلم» (ص ٢٣ - ٢٤) و«سنن البيهقي» (٤/ ١٣).
  4. (٤) كما في حديث أبي مُوَيْهِبة عند أحمد (١٥٩٩٦، ١٥٩٩٧) والحاكم (٣/ ٥٦)، وفي إسناده لين لجهالة بعض رواته.
252

ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرضٍ أو عرج يجوز له الخروج إليه وإن لم يجب عليه، كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج.

ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا فعلى الإمام دِيَتهُ من بيت المال، لأن رسول الله ﷺ أراد أن يَدِي اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفةُ مِن أخذ الدية وتصدَّق بها على المسلمين.

فصل

في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحُد

وقد أشار الله سبحانه إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران حيث افتتح القصة بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى تمام ستين آيةً.

فمنها: تعريفهم سوءَ عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].

فلما ذاقوا عاقبةَ معصيتهم للرسول وتنازُعِهم وفشلِهم كانوا بعد ذلك أشدَّ حذرًا ويقظةً وتحرُّزًا من أسباب الخذلان.

ومنها: أن حكمة الله وسنَّته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرةً ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميَّز الصادقُ من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا

253

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي