زاد المعاد

الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يومَ أحد.

ثم أخبر أنه سبحانه هو مولى المؤمنين، وهو خير الناصرين، فمن والاه فهو المنصور.

ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعبَ الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدامِ على حربهم، وأنه يؤيِّد حزبَه بجُندٍ من الرعب ينتصرون به على أعدائهم١، وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشدُ شيءٍ خوفًا ورعبًا، والذين آمنوا ولم يلبسوا الإيمان بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء.

ثم أخبرهم أنه صَدَقهم وعدَه في نصرتهم على عدوِّهم٢ ــ وهو الصادق الوعد ــ، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزَهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوِّهم عقوبةً وابتلاءً وتعريفًا لهم سُوءَ عواقب المعصية وحُسْنَ عاقبة الطاعة.

ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كلِّه، وأنه ذو فضلٍ على عباده المؤمنين. قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلَّط عليهم أعداءَهم حتى قَتَلوا منهم من

  1. (١) م، ق، ب، ث: «أعدائه».
  2. (٢) من هنا يبدأ سقط كبير في نسخة (ب)، ويستمر إلى قوله: «ومن ظنَّ أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازي» (ص ٢٦٧).
262

قتلوا ومَثَّلوا بهم ونالوا منهم من١ نالوه؟ فقال: لولا عَفْوُه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوَّهم بعد أن كانوا مُجمعين٢ على استئصالهم٣.

ثم ذكَّرهم بحالهم وقت الفرار مُصْعِدين أي جادِّين في الهرب والذهاب في الأرض، أو صاعدين في الجبل، لا يلوون على٤ نبيهم ولا أصحابهم، والرسول يدعوهم في أخراهم: «إليَّ عبادَ الله! أنا رسول الله!»٥.

فأثابهم بهذا الهرب والفرار غمًّا بعد غم: غمَّ الهزيمة والكسرة، وغمَّ صرخة الشيطان فيهم٦ بأن محمدًا قد قتل.

وقيل: جازاكم غمًّا بما غممتم رسولَه بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوِّه، فالغم الذي حصل لكم جزاءً على الغم الذي أوقعتموه بنبيِّه٧.

والقول الأول أظهر لوجوه:

أحدها: أن قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا٨ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا

  1. (١) ث، ن، المطبوع: «ما».
  2. (٢) م، ق، ث، ع: «مجتمعين».
  3. (٣) أخرجه الطبري (٦/ ١٤٤).
  4. (٤) زيد في المطبوع بعده: «أحد مِن» خلافًا للأصول.
  5. (٥) روي نحوه عن ابن عباس والسدِّي والحسن وقتادة والربيع بن أنس. انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ١٤٧ - ١٤٩) و«تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٧٩٠).
  6. (٦) «فيهم» سقط من م، ق، ث.
  7. (٧) وهو قول الزجاج في «معاني القرآن» (١/ ٤٧٩). وانظر: «زاد المسير» (١/ ٤٧٨).
  8. (٨) في الأصول: ﴿تَأْسَوْا﴾، وهو وهم أو سبق قلم عن انتقال الذهن إلى آية سورة الحديد: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [٢٣].
263

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي