زاد المعاد

السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦].

وإنما كان هذا ظنَّ السوء، وظنَّ الجاهلية المنسوبَ١ إلى أهل الجهل، وظنَّ غيرِ الحق= لأنه ظنُّ غيرِ ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العُليا وذاته المبرَّأةِ من كلِّ عيبٍ وسوء، وخلافُ ما يليق بحكمته وحمده وتفرُّدِه بالربوبية والإلهيه، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يُخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ولجنده بأنهم هم الغالبون؛ فمن ظن به أنه لا ينصر رسولَه ولا يُتم أمرَه، ولا يؤيده ويؤيد حزبَه ويُعليهم ويُظفرهم بأعدائه٢ ويُظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينَه وكتابَه، وأنه يُديل الشركَ على التوحيد والباطلَ على الحقِّ إدالةً مستقرةً يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا= فقد ظن بالله ظنَّ السَّوءِ ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزَّتَه وحكمته وإلهيتَه تأبى ذلك، وتأبى أن يُذِلَّ حزبَه وجندَه، وأن تكون النصرةُ المستقرة والظفرُ الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به؛ فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءَه وصفاتِه وكمالَه.

وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته ومُلْكَه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره مِن ذلك وغيرِه لحكمة بالغة وغايةٍ محمودة يستحقُّ الحمدَ عليها، وأن ذلك٣ إنما صدر عن مشيئة مجرَّدةٍ عن حكمة وغايةٍ مطلوبةٍ هي أحبُّ إليه مِن فوتها،

  1. (١) م، ق: «وهو الظن المنسوب».
  2. (٢) م، ق، ث، ن: «بأعدائهم».
  3. (٣) أي: وظن أن ذلك.
266

وأن تلك الأسباب المكروهةَ المفضيةَ إليها لا يَخرج تقديرُها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهةً له، فما قدَّرها سدًى ولا شاءَها١ عبثًا ولا خلقها باطلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].

وأكثر الناس يظنون بالله غيرَ الحق ظنَّ السَّوءِ فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءَه وصفاتِه، وعرف موجَب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأَيِس من رَوحه فقد ظن به ظن السوء.

ومن جوَّز عليه أن يُعذِّبَ أولياءَه مع إحسانهم وإخلاصهم ويُسوِّي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء.

ومن ظن أنه يترك خلقَه سدًى مُعَطَّلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هَمَلًا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء.

ومن ظنَّ أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دارٍ يجازي المُحسن فيها بإحسانه والمسيءَ بإساءته، ويبيّن لخلقه حقيقةَ ما اختلفوا فيه، ويُظهر للعالمين كلِّهم صِدقَه وصدق رُسُلِه، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين= فقد ظن به ظن السوء.

ومن ظن أنه يُضِيع عليه عملَه الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه على امتثال أمره، ويُبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه

  1. (١) النسخ المطبوعة: «أنشأها».
267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي