كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامَه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يُصرِّح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويُريحَهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل بل سلك بهم خلافَ طريق الهدى والبيان= فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز؛ وإن قال: إنه قادر ولم يبين، وعَدَل عن البيان ــ عن١
التصريح بالحق ــ إلى ما يُوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد فقد ظن بحكمته ورحمته ظنَّ السوء، وظن أنه وسلَفَه عبَّروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهرُ كلام المتهوِّكين الحيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله؛ فكلُّ هؤلاء من الظانين بالله ظنَّ السوء ومن الظانين به غير الحق ظنَّ الجاهلية.
ومن ظن به أن يكون في مُلكه ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء٢.
ومن ظن به أنه كان معطَّلًا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا، فقد ظن به ظن السوء٣.
ومن ظنَّ به أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات ولا عددَ
(١) م، ق، ب، ث: «وعن». والمثبت من سائر النسخ، ولا غبار عليه ..
(٢) يقصد به نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم.
(٣) يقصد به من منع تسلسل الحوادث في الأزل فأنكر دوام فاعلية الرب ﷾.
السماوات ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان= فقد ظن به ظن السوء١.
ومن ظنَّ به أنه لا سَمْعَ له ولا بصر٢، ولا علم ولا إرادة، ولا كلام يقوم٣ به، وأنه لم يكلِّم أحدًا من الخلق ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به= فقد ظن به ظن السوء٤.
ومن ظن به أنه ليس٥ فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته ﵎ إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين وإلى الأمكنة التي يُرغَب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: «سبحان ربي الأسفل» كان كمن قال: «سبحان ربِّي الأعلى»٦ = فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأَه.
ومن ظن به أنه٧ يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح، فقد ظن به ظن السوء٨.
(١) يقصد به الفلاسفة كابن سينا وغيره الذين قالوا: إن الله يعلم الكُلِّيات دون الجزئيَّات.
(٢) زِيد بعده في ص، ز، د: «له».
(٣) النسخ المطبوعة: «يقول»، تصحيف.
(٤) المقصود به نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة.
(٥) «ليس» سقطت من المطبوع هنا وأُثبتت في الفقرة الآتية، ففسدت الفقرتان جميعًا.
(٦) «وأن من قال ... الأعلى» ساقط من د، والمطبوع.
(٧) بعده في المطبوع: «ليس» خلافًا للأصول ومفسدًا للمعنى.
(٨) المقصود به الجبرية وبعض غلاة الصوفية ممن لم يفرِّق بين مشيئة الله الكونية وبين محبّته ورضاه، فظن أن كل ما شاء الله وقوعه في الكون فقد أحبَّه ورضيه!