السماوات ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان= فقد ظن به ظن السوء١.
ومن ظنَّ به أنه لا سَمْعَ له ولا بصر٢، ولا علم ولا إرادة، ولا كلام يقوم٣ به، وأنه لم يكلِّم أحدًا من الخلق ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به= فقد ظن به ظن السوء٤.
ومن ظن به أنه ليس٥ فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته ﵎ إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين وإلى الأمكنة التي يُرغَب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: «سبحان ربي الأسفل» كان كمن قال: «سبحان ربِّي الأعلى»٦ = فقد ظنَّ به أقبحَ الظنِّ وأسوأَه.
ومن ظن به أنه٧ يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح، فقد ظن به ظن السوء٨.
(١) يقصد به الفلاسفة كابن سينا وغيره الذين قالوا: إن الله يعلم الكُلِّيات دون الجزئيَّات.
(٢) زِيد بعده في ص، ز، د: «له».
(٣) النسخ المطبوعة: «يقول»، تصحيف.
(٤) المقصود به نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة.
(٥) «ليس» سقطت من المطبوع هنا وأُثبتت في الفقرة الآتية، ففسدت الفقرتان جميعًا.
(٦) «وأن من قال ... الأعلى» ساقط من د، والمطبوع.
(٧) بعده في المطبوع: «ليس» خلافًا للأصول ومفسدًا للمعنى.
(٨) المقصود به الجبرية وبعض غلاة الصوفية ممن لم يفرِّق بين مشيئة الله الكونية وبين محبّته ورضاه، فظن أن كل ما شاء الله وقوعه في الكون فقد أحبَّه ورضيه!
ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يُعادي، ولا يَقْرُب مِن أحدٍ من خلقه ولا يقرُب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القُرْب من ذاته كذوات الملائكة المقرَّبين وأوليائه المفلحين= فقد ظنَّ به ظن السوء.
ومن ظن به أنه يُسوِّي بين المتضادَّين، أو يفرِّق بين المتساويين من كل وجه، أو يُحبِط طاعاتِ العمر المديد الخالصةَ الصوابَ بكبيرةٍ واحدة تكون بعدها، فيُخلِّد فاعلَ تلك الطاعات في الجحيم أبدَ الآبدين لتلك الكبيرة ويُحبِط بها جميعَ طاعاته، ويُخلِّده في العذاب كما يخلد من لم يؤمن به طرفة عينٍ واستنفد ساعاتِ عمره في مَساخطه١ ومُعاداة رسله ودينه= فقد ظن به ظن السوء٢.
وبالجملة فمن ظن به خلافَ ما وصف به نفسَه ووصفَتْه٣ به رسلُه، أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسَه ووصفته به رسلُه، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا، أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائطَ يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياءَ من دونه يتقرَّبون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم فيدعونهم٤ ويخافونهم ويرجونهم= فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه.
(١) م، ق، ب: «تساخطه».
(٢) المقصود به الوعيدية من الخوارج وغيرهم.
(٣) م، ق، ب، ث، ع: «ووصفه به» هنا وفي السطر الآتي.
(٤) بعده في المطبوع: «ويحبُّونهم كحبّه»، وليس في الأصول.