زاد المعاد

ومن ظن أنه يُنال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يُنال بطاعته والتقرُّبِ إليه فقد ظن به خلافَ حكمته وخلافَ موجَبِ أسمائه وصفاته، وهو مِن ظنِّ السوء.

ومن ظنَّ به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يُعوِّضه خيرًا منه، ومن فعل لأجله شيئًا لم يُعطه أفضل منه، فقد ظن به١ ظن السوء.

ومن ظنَّ به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويَحْرِمه بغير جرمٍ ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحضِ الإرادة، فقد ظنَّ به ظنَّ السوء.

ومن ظن به أنه إذا صَدَقه في الرغبة والرهبة، وتضرَّع إليه وسأله، واستعان به وتوكَّل عليه، أنه يُخيبه ولا يُعطيه ما سأله، فقد ظن به ظن السوء، وظن به خلافَ ما هو أهلُه.

ومن ظن به أنه يُثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ظنَّ به خلافَ ما تقتضيه حكمتُه وحمدُه وخلافَ ما هو أهله، وما لا يفعله.

ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأَوضَع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًّا ودعا مِن دونه ملكًا أو بشرًا حيًّا أو ميتًا، يرجو بذلك أن ينفعه عند ربِّه ويُخلِّصه من عذابه= فقد ظن به ظن السوء، بل ذلك زيادةٌ في بُعده من الله وفي عذابه.

ومن ظن أنه يُسلِّط على رسوله محمدٍ ﷺ أعداءَه تسليطًا مستقرًّا دائمًا في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلمّا مات استبدُّوا بالأمر دون

  1. (١) «ظن به» ساقط من ص، ز، ث.
272

وَصِيِّه١، وظلموا٢ أهلَ بيته وسلبوهم حقَّهم وأذلُّوهم، وكانت العزَّة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائمًا من غير جُرم ولا ذنب لأوليائه وأهلِ الحق، وهو يرى قهرَهم لهم وغَصْبهم إياهم حقَّهم٣ وتبديلهم دينَ نبيِّه، وهو يقدر على نُصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يُديلهم، بل يديل أعداءَهم عليهم أبدًا، أو أنه لا يَقدِر على٤ ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل المُبدِّلين لدينه مُضاجِعِيه في حفرته تُسلِّم أمته عليه وعليهم في٥ كلِّ وقت، كما تظنُّه الرافضة= فقد ظن به أقبحَ الظن وأسوأَه، سواءٌ قالوا: إنه قادر على أن ينصرهم ويجعلَ لهم الدَّولة والظَّفَر أو أنَّه غيرُ قادرٍ على ذلك، فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك مِن ظن السوء به. ولا ريب أن الربَّ الذي فعل هذا بغيض إلى من ظنَّ به ذلك غيرُ محمودٍ عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلافَ ذلك، لكن رَفَوا٦

هذا الظن الفاسد بخَرْقٍ أعظمَ منه واستجاروا من الرمضاء بالنار فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصرِ أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال عباده ولا هي داخلة تحتَ قدرته، فظنُّوا به ظنَّ إخوانِهم المجوس والثَّنَويَّة بربِّهم.

  1. (١) م، ص، د، المطبوع: «وصيةٍ»، تصحيف. والمراد بالوصيِّ عليٌّ ﵁ على زعم الرافضة أن النبي ﷺ أوصى إليه بالإمامة والخلافة بعده.
  2. (٢) «وظلموا» ليس في م، ق، ب، ث.
  3. (٣) «حقَّهم» ساقط من ص، د. واستُدرك في ز، ع بخط مغاير.
  4. (٤) «على» ساقطة من ص، د، ز، ع. وضبط في ز: «لا يُقَدّر ذلك».
  5. (٥) «في» ساقطة من ق، ب.
  6. (٦) رفا الثوب يرفُوه رَفوًا: أصلح ما به من شقٍّ أو خرقٍ بضم بعضه إلى بعض ..
273

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي