وكانت وقعة أحد يوم السبت في سابع٢ شوال سنة ثلاث كما تقدم، فرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، فلما استهل هلالُ المحرَّم بلغه أن طُلَيحة٣ وسلمة ابنَي٤ خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد بن خزيمةَ إلى حرب رسول الله ﷺ، فبعث أبا سلمة وعقد له لواءً، وبعث معه مائةً وخمسين رجلًا من الأنصار والمهاجرين، فأصابوا إبلًا وشاءً ولم يلقوا كيدًا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة٥.
فصل
فلما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان الهُذَلي قد جمع له الجموع، فبعث إليه عبد الله بن أُنَيس فقتله ــ قال عبد المؤمن بن خَلَف٦:
(١) أسنده ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٠٢ - ١٠٣) و«دلائل النبوة» (٣/ ٣١٥) ــ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني ــ وهو ثقة عالم بالمغازي من صغار التابعين ــ مرسلًا. وانظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٩).
(٦) الدمياطي (ت ٧٠٥) في «السيرة النبوية» (ق ٨٣ - نسخة شستربيتي). ولعل المؤلف نسب هذه الجزئية إلى كتابه لأنه لم يجدها عند غيره، فلم يذكرها عروة، ولا موسى بن عقبة، ولا ابن إسحاق في مغازيهم. وإنما ذكرها الواقدي في «مغازيه» (٢/ ٥٣٣) ثم كاتبه ابن سعد في «طبقاته» (٢/ ٤٧)، والدمياطي صادر عنه.
وجاءه برأسه فوضعه بين يديه ــ، فأعطاه عصًا فقال: «هذه آية بيني وبينك يوم القيامة»١، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلةً، وقدم يوم السبت لسبعٍ بقين من المحرم.
فلما كان صفر قَدِم عليه قومٌ من عَضَلٍ والقارة، وذكروا أن فيهم إسلامًا، وسألوه أن يبعث معهم من يُعلِّمهم الدينَ ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستةَ نفرٍ في قول ابن إسحاق٢ ــ وقال البخاري٣: كانوا عشرةً ــ وأمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وفيهم خُبَيب بن عدي، فذهبوا معهم.
فلما كانوا بالرَّجيع ــ وهو ماء لهُذَيلٍ بناحية الحجاز٤ ــ غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فجاءوا حتى أحاطوا بهم، فقتلوا عامَّتهم
(١) أخرجه ابن إسحاق ــ ومن طريقه أحمد (١٦٠٤٧) وأبو داود (١٢٤٩) وابن خزيمة (٩٨٢) وابن حبان (٧١٦٠) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٤٢) ــ عن عبد الله بن أنيس بإسناد حسن. وانظر خبر السرية عند عروة بن الزبير وموسى بن عقبة، كما في «الدلائل» للبيهقي (٤/ ٤٠، ٤١)، وليس عندهما قوله ﷺ هذا.
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٦٩).
(٣) ورد ذلك عنده في «صحيحه» (٤٠٨٦) ضمن حديث أبي هريرة الطويل في خبر القصة، وفيه أيضًا أنه أمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري، خلافًا لما ذكره المؤلف نقلًا عن ابن إسحاق.
(٤) ذكر عاتق البلادي بأنه يعرف اليوم بـ «الوطية»، يقع شمال مكة على قرابة ٧٠ كيلًا قبيل عُسفان في طرف قرية «الشامية»، وقال: إنه ماء دائم لا يغور، تكرعه الإبل بأعناقها. انظر: «المعالم في السيرة» (ص ١٣٨) و«معجم معالم الحجاز» (ص ٦٧٩).