زاد المعاد

السادس: أن هذه الآية مذكورة عقيب١ قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ٦٥ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ ٦٦ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ٦٧ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٥ ــ ٦٨] فكما خلقهم وحده سبحانه، اختار منهم من تاب وآمن وعمل صالحًا، فكانوا صفوته من عباده، وخيرته من خلقه. وكان هذا الاختيار راجعًا إلى حكمته، وعلمه سبحانه بمن٢ هو أهل له، لا إلى اختيار هؤلاء المشركين واقتراحهم، فسبحان الله وتعالى عما يشركون.

فصل

وإذا تأملت أحوال الخلق٣، رأيت هذا الاختيار والتخصيص فيه دالًّا على ربوبيته تعالى ووحدانيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، وأنه الله الذي لا إله إلا هو؛ فلا شريك له يخلق كخلقه، ويختار كاختياره، ويدبِّر كتدبيره. فهذا الاختيارُ والتخصيصُ المشهود أثرُه في هذا العالم من أعظم آيات ربوبيته، وأكبر شواهد وحدانيته، وصفات كماله، وصدق رسله٤. فنشير فيه إلى شيء يسير يكون منبهًا٥ على ما وراءه، دالًّا على ما سواه.

فخلق الله السماوات سبعًا، فاختار العليا منها، فجعلها مستقرَّ المقرَّبين

  1. (١) ص، ج: «عقب».
  2. (٢) كان في ص: «ثم»، ثم أصلحه. وفي ج: «ثم» فوق السطر بخط صغير. وفي ك: «ثم بمن»، والظاهر أن ناسخها جمع بين الخطأ وصوابه.
  3. (٣) ع، ك: «هذا الخلق».
  4. (٤) ع، ق، ك: «رسوله».
  5. (٥) ع، ك: «تنبيهًا».
17

من ملائكته، واختصَّها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه. فلها مزيَّة وفضل على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربها منه ﵎. وهذا التفضيل والتخصيص مع تساوي مادة السماوات من أبين الأدلة على كمال قدرته تعالى وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء ويختار.

ومن هذا: تفضيلُه جنةَ الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصُها بأن جعل عرشه سقفها١. وفي بعض الآثار: إن الله سبحانه غرسها بيده واختارها لخيرته من خلقه٢.

ومن هذا: اختياره من الملائكة المصطفَين منهم على سائرهم كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وكان النبي ﷺ يقول: «اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِني لِما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»٣.

فذكر هؤلاء الثلاثة من الملائكة لكمال اختصاصهم واصطفائهم وقربهم من الله. وكم مِن ملكٍ غيرهم في السماوات، فلم يسمِّ إلا هؤلاء

  1. (١) كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري (٧٤٢٣، ٢٧٩٠).
  2. (٢) انظر: «تفسير الطبري» (١٧/ ١٦، ١٧) و«صفة الجنة» لابن أبي الدنيا (٤١) و«الإبانة الكبرى» لابن بطة (٢٨١٧ - ٢٨٢١ - ط. آل حمدان) و«الأسماء والصفات» للبيهقي (٦٩٢). ويعضد تلك الآثار ما أخرجه مسلم (١٨٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن موسى ﵇ سأل ربَّه عن أعلى أهل الجنّة منزلةً فقال: «أولئك الذين أردتُ، غرستُ كرامتهم بيدي ...».
  3. (٣) أخرجه مسلم (٧٧٠) من حديث عائشة ﵂.
18

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي