فقال له أبو سفيان: أيسرُّك أن محمدًا عندنا تُضرَب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه!١.
وفي «الصحيح»٢: أن خُبيبًا أول من سنَّ الركعتين عند القتل. وقد نقل أبو عمر بن عبد البر٣ عن الليث بن سعد أنه بلغه عن زيد بن حارثة أنه صلَّاهما في قصة ذكرها. وكذلك صلاهما حُجْر بن عَدي حين أمر معاويةُ بقتله بأرض عذراءَ من أعمال دمشق٤.
ثم صلبوه ووكلوا به من يحرُس جثَّته، فجاء عمرو بن أمية الضمري فاحتمله بجذعه ليلًا٥ فذهب به فدفنه٦.
(١) ذكره عروة وموسى بن عقبة ــ كما في «الدلائل» (٣/ ٣٢٦) ــ، وليس فيه أن أبا سفيان هو القائل ذلك. وذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا سفيان قال ذلك لزيد بن الدَّثِنة حين أخرجوه من الحرم ليقتلوه. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٧٢) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٥٣).
(٢) للبخاري (٤٠٨٦)، ضمن حديث أبي هريرة ﵁ الذي سبقت الإشارة إليه.
(٣) في «الاستيعاب» (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٨٩٥) والحاكم (٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠) عن ابن سيرين. وانظر: «طبقات ابن سعد» (٨/ ٣٣٩).
(٥) «ليلًا» ساقط من ص، د.
(٦) ذكره موسى بن عقبة فقال: زعموا أن عمرو بن أمية دفن خبيبًا، كما في «الدلائل» (٣/ ٣٢٧). وأما ابن هشام فذكر أن عمرو بن أمية لمّا احتمله بخشبته خرج الحرس وراءَه حتى أتى جُرفًا فرمى بالخشبة في الجُرف فغيّبه الله عنهم فلم يقدروا عليه. وانظر: «مسند أحمد» (١٧٢٥٢).
ورُئي خبيب وهو أسير يأكل قِطْفًا من العنب وما بمكة ثمرة١.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه.
وأما موسى بن عقبة٢ فذكر سبب هذه الوقعة أن رسول الله ﷺ بعث هؤلاء الرهط يتجسَّسون٣ له أخبار قريش فاعترضهم بنو لحيان.
فصل
وفي هذا الشهر بعينه ــ وهو صفر من السنة الرابعة ــ كانت وقعة بئر معونة، ومُلخَّصُها أن أبا براء عامرَ بن مالك المدعوَّ «ملاعب الأسِنَّة» قدم على رسول الله ﷺ المدينة فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعُد فقال: يا رسول الله، لو بعثتَ أصحابك إلى أهل نجدٍ يدعونهم إلى دينك لرجوتُ أن يجيبوهم، فقال: «إني أخاف عليهم أهل نجد»، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه أربعين رجلًا في قول ابن إسحاق٤ ــ وفي «الصحيح»٥ أنهم كانوا سبعين، والذي في «الصحيح» هو الصحيح ــ، وأمَّر عليهم المنذر بن
(١) جاء ذلك في حديث البخاري مسندًا عن الزهري عن عبد الله بن عياض عن ابنة الحارث بن نوفل ــ وكان خبيب أسيرًا عند بني الحارث ــ أنها رأتْه يأكل منه.
(٢) كما نقله البيهقي عنه في «الدلائل» (٣/ ٣٢٦). وكذا في حديث البخاري أنه بعثهم «عَينًا».
(٣) كذا في أكثر الأصول بالجيم. وفي المطبوع بالحاء: «يتحسّسون»، وهما متقاربان في المعنى.
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٨٣) و«الدلائل» (٣/ ٣٣٩).