ورُئي خبيب وهو أسير يأكل قِطْفًا من العنب وما بمكة ثمرة١.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه.
وأما موسى بن عقبة٢ فذكر سبب هذه الوقعة أن رسول الله ﷺ بعث هؤلاء الرهط يتجسَّسون٣ له أخبار قريش فاعترضهم بنو لحيان.
فصل
وفي هذا الشهر بعينه ــ وهو صفر من السنة الرابعة ــ كانت وقعة بئر معونة، ومُلخَّصُها أن أبا براء عامرَ بن مالك المدعوَّ «ملاعب الأسِنَّة» قدم على رسول الله ﷺ المدينة فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعُد فقال: يا رسول الله، لو بعثتَ أصحابك إلى أهل نجدٍ يدعونهم إلى دينك لرجوتُ أن يجيبوهم، فقال: «إني أخاف عليهم أهل نجد»، فقال أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه أربعين رجلًا في قول ابن إسحاق٤ ــ وفي «الصحيح»٥ أنهم كانوا سبعين، والذي في «الصحيح» هو الصحيح ــ، وأمَّر عليهم المنذر بن
(١) جاء ذلك في حديث البخاري مسندًا عن الزهري عن عبد الله بن عياض عن ابنة الحارث بن نوفل ــ وكان خبيب أسيرًا عند بني الحارث ــ أنها رأتْه يأكل منه.
(٢) كما نقله البيهقي عنه في «الدلائل» (٣/ ٣٢٦). وكذا في حديث البخاري أنه بعثهم «عَينًا».
(٣) كذا في أكثر الأصول بالجيم. وفي المطبوع بالحاء: «يتحسّسون»، وهما متقاربان في المعنى.
(٤) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٨٣) و«الدلائل» (٣/ ٣٣٩).
(٥) للبخاري (٢٨٠١) من حديث أنس.
عمرٍو أحدَ بني ساعدة الملقَّبَ بـ «المُعْنِق ليموت»١ وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم.
فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامرٍ وحرَّةِ بني سُلَيم، فنزلوا هناك ثم بعثوا حرام بن مِلحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم ينظر فيه وأمر رجلًا فطعنه بالحربة خلفَه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال: فزت وربِّ الكعبة! ثم استنفر عدوُّ الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سُلَيم فأجابته عُصيَّة ورِعْلٌ وذكوان، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله ﷺ، فقاتلوا حتى قُتِلوا عن آخرهم إلا كعبَ بن زيد بن النجار، فإنه ارْتُثَّ٢ مِن بين القتلى فعاش حتى قُتِل يوم الخندق.
وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن محمد بن عقبة في سَرْح المسلمين، فرأيا الطيرَ تحوم على موضع الوقعة، فنزل المنذر بن محمد فقاتل المشركين حتى قُتِل مع أصحابه، وأُسِر عمرو بن أمية الضمري، فلما أَخبر أنه من مُضَر جزَّ عامرٌ ناصيتَه وأعتقه عن رقبةٍ كانت على أمه، ورجع عمرو بن أمية، فلما كان بالقرقرة من صدرِ قناةَ٣ نزل في ظلِّ شجرةٍ، وجاء
(١) روي في سبب تلقيبه أنه لمّا قُتل أصحابه ــ كما سيأتي ــ وبقي هو قالوا له: إن شئتَ آمنّاك، فأبى وقاتلهم حتى قُتل، فقال رسول الله ﷺ لمّا بلغه ذلك: «أعنق ليموت» أي أسرع إلى الموت وتقدّم إليه. انظر: «الدلائل» (٣/ ٣٤٢) عن موسى بن عقبة، و«مغازي الواقدي» (١/ ٣٤٨) و«طبقات ابن سعد» (٢/ ٤٩).
(٢) أي: حُمل من المعرفة رَثِيثًا ــ أي جريحًا ــ وبه رَمَق.
(٣) القرقرة: أرض مطمئنة وسط القاع. و«قناة»: وادٍ فحل يستسيل مناطق شاسعة من شرق الحجاز. انظر: «معجم المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٢٥٧).