لهم صلاةً بعد هذه هي أحبُّ إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا العصر ففرَّقنا فِرقتين ...» وذكر الحديث. رواه أحمد وأهل السنن١.
وقال أبو هريرة: «كان رسول الله ﷺ نازلًا بين ضَجْنان وعُسفان فحاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ٢ إليهم من أبنائهم وأموالهم، أَجمِعوا أمركم ثم مِيلوا عليهم مَيلةً واحدةً، فجاء جبريل فأمره أن يَقْسِم أصحابَه نصفين ...» وذكر الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح٣.
ولا خلاف بينهم أن غزوة عُسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلَّى صلاة الخوف بذات الرقاع= فعُلِم أنها بعد الخندق وبعد عسفان.
ويؤيِّد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري شهدا ذاتَ الرقاع، كما في «الصحيحين»٤ عن أبي موسى أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنهم كانوا يلفُّون على أرجلهم الخِرَق لمّا نَقِبَت، فسمّيت غزوة ذاتِ الرقاع٥. وأما أبو هريرة
(١) أحمد (١٦٥٨٠) وأبو داود (١٢٣٦) والنسائي (١٥٥٠) ــ واللفظ به أشبه ــ، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٢٨٧٥، ٢٨٧٦) والحاكم (١/ ٣٣٧). وإسناده صحيح.
(٢) ص، ز، د، ن: «أهمّ». والمثبت لفظ «السنن».
(٣) «جامع الترمذي» (٣٠٣٥). وأخرجه أيضًا أحمد (١٠٧٦٥) والنسائي (١٥٤٤) ــ واللفظ به أشبه ــ وابن حبان (٢٨٧٢).
(٤) البخاري (٤١٢٨) ومسلم (١٨١٦). وقوله: «لمّا نَقِبَت» أي لما تشققت.
(٥) «فسميت غزوة ذات الرقاع» ساقط من طبعة الرسالة مع ثبوته في الأصول والطبعة الهندية.
ففي «المسند» و«السنن»١ أن مروان بن الحكم سأله: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد.
وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن مَن جعلها قبل الخندق فقد وهم وهمًا ظاهرًا. ولما تفطَّن٢ بعضُهم٣ لهذا ادَّعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين، فمرةً قبل الخندق ومرةً بعدها٤؛ على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظُها أو تاريخها. ولو صح لهذا القائل ما ذكره ــ ولا يصح ــ لم يمكن أن يكون قد صلى بها صلاةَ الخوف في المرة الأولى، لِما تقدم من قصة عسفان وكونِها بعد الخندق. ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخيرَ يوم الخندق جائز غيرُ منسوخ، وأن في حال المُسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكَّن من فِعلها ــ وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره ــ، لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان وأن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق.
فالصواب تحويل غزوة ذات الرقاع من هذا الموضع إلى بعد الخندق، بل بعد خيبر. وإنما ذكرناها هاهنا تقليدًا لأهل المغازي والسير، ثم تبيَّن لنا وهمهم، وبالله التوفيق.
(١) أحمد (٨٢٦٠) وأبو داود (١٢٤٠) والنسائي (١٥٤٣)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٣٦١) وابن حبان (٢٨٧٨) والحاكم (١/ ٣٣٨).
(٢) غيّر بعضهم السياق في ن إلى: «ولمّا لم يفطن»، وكذا جاء في النسخ المطبوعة. وهو إقحام مفسد للمعنى المقصود.