زاد المعاد

ومما يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد الخندق ما رواه مسلم في «صحيحه»١ عن جابر قال: «أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كُنَّا بذاتِ الرقاع ــ قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ــ فجاء رجل من المشركين وسَيفُ رسولِ الله ﷺ معلَّق بالشجرة، فأخذ السيفَ فاخترطه ...» فذكر القصة وقال: «فنودي بالصلاة فصلى بطائفةٍ ركعتين ثم تأخَّروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله ﷺ أربعُ ركعات وللقوم ركعتان». وصلاة الخوف إنما شُرعت بعد الخندق، بل هذا يدل على أنها بعد عُسفان، والله أعلم.

وقد ذكروا أن قصة بيعِ جابر جملَه من النبي ﷺ كانت في غزوة ذات الرقاع٢. وقيل: في مرجعه من تبوك٣، ولكن في إخباره للنبي ﷺ في تلك القصة أنه تزوج امرأةً ثيبًا تقوم على أخواته وتُكَلِّفهنَّ٤ إشعارٌ بأنه بادر إلى ذلك بعد مقتل أبيه ولم يؤخره إلى عام تبوك، والله أعلم.

  1. (١) برقم (٨٤٣).
  2. (٢) أسند ذلك ابن إسحاق ــ ومن طريقه ابن هشام (٢/ ٢٠٦) وأحمد (١٥٠٢٦) ــ بإسناد جيد عن جابر قال: «خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع مرتحلًا على جمل لي ضعيف ...» إلخ القصة. وكذلك ذكر الواقدي (١/ ٤٠٠) القصة في أحداث غزوة ذات الرقاع.
  3. (٣) ورد ذلك في رواية علّقها البخاري عقب الحديث (٢٧١٨) ضمن الروايات المختلفة في ثمنه، وروي أيضًا عن جابر عند أبي يعلى (١٧٩٣) بإسناد ضعيف.
  4. (٤) م، ق، ث، ن، النسخ المطبوعة: «تَكْفَلهن». والمثبت من سائر الأصول، ومعنى «تُكلِّفهن»: تجهّزهن وتُزيّنهن، كما في «تكملة المعاجم العربية» (٩/ ١٣٠). ولفظ جابر المتفق عليه: «فأحببت أن أتزوج امرأة تَجمعهن وتَمشُطُهن».
295

وفي مرجعهم من غزوة ذات الرقاع سَبَوا امرأةً من المشركين، فنذر زوجُها أن لا يرجع حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد ﷺ، فجاء ليلًا وقد أرصد رسول الله ﷺ رجلين ربيئةً١ للمسلمين من العدو وهما: عبّاد بن بشر وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا وهو قائم يصلي بسهمٍ، فنزعه ولم يبطل صلاتَه، حتى رشقه بثلاثة أسهم فلم ينصرف منها حتى سلَّم فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان الله! هلَّا أنبهتني؟ فقال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها٢.

وقال موسى بن عقبة في «مغازيه»٣: ولا يُدرى متى كانت هذه الغزوة، قبل بدرٍ أو بعدها، أو فيما بين بدر وأحد، أو بعد أحد.

ولقد أبعد جدًّا إذ جوز أن تكون قبل بدرٍ وهذا ظاهر الإحالة، ولا قبل أحد، ولا قبل الخندق كما تقدم بيانه.

فصل

قد تقدَّم٤ أن أبا سفيان قال عند انصرافه من أحد: موعدكم وإيانا العام القابلَ بدرٌ، فلما كان شعبان ــ وقيل: ذو القعدة ــ من العام القابل خرج

  1. (١) الربيئة: عين القوم يرقب العدو من مربأ (مكان عال) لئلا يدهم قومَه.
  2. (٢) أخرجه ابن هشام (٢/ ٢٠٨) وأحمد (١٤٧٠٤) وأبو داود (١٩٨) وابن خزيمة (٣٦) وابن حبان (١٠٩٦) من حديث جابر ﵁ دون تسمية الصحابيين، لكنه ذكر أن أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار. وسمّاهما الواقدي (١/ ٣٩٧) وابن هشام.
  3. (٣) ونقله عنه أيضًا الحافظ في «الفتح» (٧/ ٤١٧).
  4. (٤) (ص ٢٨١).
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي