زاد المعاد

لأختها كانت أعارتها إياه، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه، فجاء النفر الذين كانوا يُرحِّلون هودجها فظنوها فيه فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها ﵂ كانت فتيَّة السنِّ لم يغشَها اللحمُ الذي يُثقلها، وأيضًا فإن النفر لما تساعَدوا على حمل الهودج لم يُنكروا خِفَّته، ولو كان الذي حمله واحدًا أو اثنين لم يخفَ عليهما الحال.

فرجعت عائشة إلى منازلهم وقد أصابت العِقدَ فإذا ليس بها داعٍ ولا مجيب، فقعدت في المنزل وظنَّت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها ــ والله غالب على أمره يدبّر الأمرَ فوقَ عرشه كما يشاء ــ، فغلبتْها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صَفوان بن المعطَّل: إنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله ﷺ! وكان صفوان قد عرَّس في أخريات الجيش، لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في «صحيح أبي حاتم» وفي «السنن»١. فلما رآها عرفها ــ وكان يراها قبلَ نزول الحجاب ــ فاسترجع وأناخ راحلته فقرَّبها إليها فركبت٢، وما كلَّمها كلمةً واحدةً ولم تسمع منه إلا استرجاعه.

ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فلما رأى ذلك الناسُ تكلَّم كلٌّ منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيثُ عدوُّ الله ابنُ أبيٍّ متنفَّسًا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يستحكي الإفكَ ويستوشيه، ويُشِيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه

  1. (١) «صحيح أبي حاتم» (١٤٨٨) و«سنن أبي داود» (٢٤٥٩)، أخرجه أيضًا أحمد (١١٧٥٩) والحاكم (١/ ٤٣٦)، ورجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن بعضهم استنكر متنه. انظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).
  2. (٢) ص، ز، د: «فركبته». وفي هامش ز، ن، النسخ المطبوعة: «فركبتها».
302

يتقربون إليه به.

فلما قدموا المدينة أفاض أهلُ الإفك في الحديثِ ورسولُ الله ﷺ ساكت لا يتكلم، ثم استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه عليٌّ بأن يُفارِقها ويأخذَ غيرَها تلويحًا لا تصريحًا، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وبأن لا١ يلتفت إلى كلام الأعداء٢.

فعليٌّ لمّا رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلَّص رسولُ الله ﷺ من الهمِّ والغمِّ الذي لحقه بكلام الناس فأشار بحسم الداء؛ وأسامة لمّا علم حبَّ رسول الله ﷺ لها ولأبيها، وعلم من عفَّتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هي فوقَ ذلك وأعظمُ منه، وعرف من كرامة رسول الله ﷺ على ربِّه ومنزلته عنده ودفاعِه عنه أنه لا يجعل ربَّةَ بيته وحبيبتَه من النساء وبنتَ صديقه بالمنزلة التي أنزلها بها أرباب الإفك، وأن رسول الله ﷺ أكرمُ على ربه وأعزُّ عليه من أن يجعل تحته امرأةً بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبةَ رسول الله ﷺ أكرمُ على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله٣؛ فمن قويت معرفةُ الله ومعرفةُ رسولِه ﷺ وقدرُه عند الله في قلبه قال٤ كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لمَّا سمعوا ذلك:

  1. (١) م، ق، ب، ن: «وأن لا».
  2. (٢) قصة الإفك أخرجها البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة ﵂ مطوّلة.
  3. (٣) لم يأت جواب «لمّا» في كلام المؤلف، ولعله اكتفى بدلالة السياق عليه، والتقدير أن أسامة لمّا علم كلَّ ذلك أشار عليه بإمساكها وعدم الالتفات إلى كلام الأعداء.
  4. (٤) «قال» ساقطة من ص، د، ن.
303

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي