وهذا الذي ذكروه إن كان لازمًا فيكون الوهم من تسمية الجارية «بريرة»، ولم يقل له عليٌّ: سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسمَّاها بذلك؛ وإن لم يلزم بأن يكون طلبُ مغيثٍ لها استمر إلى بعد الفتح ولم ييأس منها، زال الإشكال. والله أعلم.
فصل
وفي مرجعهم من هذه الغزوة قال رأس المنافقين ابنُ أُبَيّ: «لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذل، فبلَّغها زيد بن أرقم رسولَ الله ﷺ، وجاء ابن أُبَي يعتذر ويحلف ما قال فسكت عنه رسولُ الله ﷺ، فأنزل الله تصديق زيدٍ في سورة المنافقين، فأخذ النبي ﷺ بأذنه وقال: «أبشِرْ فقد صدَّقك الله» ثم قال: «هذا الذي وفَّى اللهَ بأذنه»، فقال له عمر: يا رسول الله، مُرْ عبَّاد بن بِشر فليضرب عنقه، فقال: «فكيف إذا تحدَّث الناسُ أن محمدًا يقتل أصحابه؟»٢.
✽ ✽ ✽
(١) أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) ذكره ابن إسحاق بنحوه عن شيوخه من التابعين (عاصم بن عمر بن قتادة وغيره)، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢) و«تفسير الطبري» (٢٢/ ٦٦٦ - ٦٦٩). وأخرجه البخاري (٤٩٠٠) من حديث زيد بن أرقم وفيه قول النبي ﷺ له: «إن الله قد صدقك». وقول عمر أخرجه البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤/ ٦٣) من حديث جابر بلفظ: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: «دَعْه، لا يتحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».
فصل
في غزوة الخندق
وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، إذ لا خلاف أن أُحُدًا كانت في شوال سنة ثلاث وواعد المشركون رسول الله ﷺ في العام المقبل ــ وهو سنة أربع ــ، ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاؤوا لحربه. هذا قول أهل السير والمغازي١.
وخالفهم موسى بن عقبة وقال: بل كانت سنةَ أربعٍ٢.
قال أبو محمد بن حزم٣: وهذا هو الصحيح الذي لا شك فيه، واحتج عليه بحديث ابن عمر في «الصحيحين»٤ أنه عُرض على النبي ﷺ يوم أحدٍ
(١) قال ابن كثير: «نصّ على ذلك ابن إسحاق، وعروة بن الزبير، وقتادة، والبيهقي، وغير واحدٍ من العلماء سلفًا وخلفًا». وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢١٤) و«مغازي الواقدي» (١/ ٤).
(٢) أسنده عنه البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٣٩٣). وأسند البيهقي ذلك عن عروة وقتادة أيضًا، مع أنهما أنفسهما ذكرا أن الخندق بعد أُحُد بسنتين. وقد جمع البيهقي بين ذلك بقوله: «وذلك أن رسول الله ﷺ قاتل يوم بدرٍ لسنة ونصف من مقدمه المدينة، ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة، فمن قال: سنة أربع أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة».