نناجز محمدًا، فقالت قريظة: صدقكم والله نعيم؛ فتخاذل الفريقان.
وأرسل الله ﷿ على المشركين جندًا من الريح فجعلت تقوِّض خيامهم، ولا تدع لهم قِدرًا إلا أكفأتها، ولا طُنبًا إلا قلعته، ولا تُقِرُّ لهم قرارًا؛ وجُندًا١ من الملائكة يُزلزلون٢ بهم، ويُلقون في قلوبهم الرعب والخوف.
وأرسل رسولُ الله ﷺ حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، فوجدهم على هذه الحال وقد تهيَّؤوا للرحيل، فرجع إلى رسول الله ﷺ ليلًا فأخبره برحيل القوم، فأصبح رسول الله ﷺ وقد ردَّ الله عدوَّه بغيظه٣ لم ينالوا خيرًا وكفاه الله قتالهم، فصدق وعدَه وأعزَّ جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فدخل المدينة ووضع السلاح، فجاءه جبريل وهو يغتسل في بيت أم سلمة فقال: «أوَضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعدُ أسلحتها، انهض إلى هؤلاء» يعني بني قريظة٤، فنادى رسول الله ﷺ: «من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلينَّ العصر إلا في بني قريظة»٥، فخرج المسلمون سراعًا، فكان من أمره وأمر بني قريظة ما قدَّمناه٦.
واستشهد يومَ الخندق ويوم قريظة نحو عشرة من المسلمين.
فصل
قد قدمنا أن أبا رافع كان ممن ألَّب الأحزاب على رسول الله ﷺ، ولم
(١) معطوف على «جندًا من الريح». وفي المطبوع: «وجندُ الله» خلافًا للأصول.
(٢) م، ق، ب: «ينزلون»، تصحيف.
(٣) م، ق، ث، ب: «بغيظهم»، إلا أن رسمه في الثلاثة الأولى بالضاد.
(٤) أخرجه البخاري (٢٨١٣، ٤١١٧) ومسلم (١٧٦٩) من حديث عائشة ﵂ بنحوه.
(٥) أخرجه البخاري (٩٤٦) بنحوه من حديث ابن عمر. وهذا لفظ ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٣٤).
(٦) انظر: (ص ١٥٣ - ١٦٠).
يُقتَل مع بني قريظة كما قُتل صاحبه حُيَي بن أخطب، ورغبت الخزرج في قتله مساواةً للأوس في قتل كعب بن الأشرف، وكان الله سبحانه قد جعل هذين الحيَّين يتصاولان بين يدي رسول الله ﷺ في الخيرات، فاستأذنوه في قتله فأذن لهم، فانتدب له رجال كلهم من بني سلمة وهم: عبد الله بن عَتِيك وهو أمير القوم، وعبد الله بن أُنَيس، وأبو قتادة الحارث بن رِبْعي، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فساروا حتى أتوه في خيبر في دارٍ له فنزلوا عليه ليلًا فقتلوه، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ فكلّهم ادعى قتله فقال: «أروني أسيافكم»، فلما أَرَوه إياها قال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام١»٢.
فصل
ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني لِحيان بعد قريظة بستة أشهر ليغزوهم، فخرج في مِائتي رجل وأظهر أنه يريد الشام، واستخلف على المدينة ابنَ أمِّ مكتوم، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غُرانَ وادٍ من أودية بلادهم ــ وهو بين أَمَجَ٣ وعُسفان ــ حيث كان مُصاب أصحابه٤، فترحم عليهم ودعا
(١) وذلك أن عبد الله بن أنيس كان تحامل عليه بسيفه في بطنه حتى أنفذه.
(٢) هذا السياق للخبر مختصر مما ذكره ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك مرسلًا، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥). ويخالفه ما عند البخاري (٤٠٣٩) من حديث البراء، ففيه أن أميرهم عبد الله بن عتيك دخل الحصن وقتل أبا رافعٍ وحدَه دون أصحابه.
(٣) «أمج» يُعرف اليوم بـ «خُلَيص»، وأما «عُسفان» فلا يزال معروفًا بهذا الاسم. انظر: «معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية» لعاتق البلادي (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٤) أي من أصحاب الرجيع: عاصم بن ثابت وخُبيب بن عدي ومن كان معهما.