واحتملوا امرأته. قال عبد المؤمن بن خلف١: «وهو ابن أبي ذر»، وهو غريب جدًّا.
وجاء الصريخ فنودي: «يا خيلَ الله اركبي!» وكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله ﷺ مقنَّعًا في الحديد، فكان أول من أقبل إليه المِقداد بن عمرٍو في الدرع والمِغفر، فعقد له رسول الله ﷺ اللواءَ في رمحه وقال: «امض حتى تلحق الخيولُ، وإنَّا على أثرك»٢، واستخلف رسول الله ﷺ ابنَ أمِّ مكتوم.
وأدرك سلمةُ بن الأكوع القومَ وهو على رِجليه، فجعل يرميهم بالنبل ويقول:
خذها وأنا ابن الأكوعواليوم يوم الرُّضَّع٣
حتى انتهى بهم إلى ذي قَرَد وقد استنقذ منهم جميعَ اللِّقاح وثلاثين بردةً. قال سلمة: فلحقَنا رسولُ الله ﷺ والخيلُ عشاءً فقلت: يا رسول الله، إن
(١) «السيرة النبوية» لعبد المؤمن الدمياطي (ق ٨٨)، وإنما صدر الدمياطي عن «طبقات ابن سعد» (٢/ ٧٦)، ثم هو عن شيخه الواقدي. انظر: «مغازيه» (٢/ ٥٣٨، ٥٣٩).
(٢) ذكره الواقدي ــ وعنه ابن سعد ــ بهذا اللفظ، «وإنَّا» يحتمل: «وأنا». وذكره ابن إسحاق ضمن خبر الغزوة عن شيوخه من التابعين بلفظ: «اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس».
(٣) أي اليوم يوم هلاك الرُّضَّع وهم اللئام. وسُمّي اللئيم راضعًا قيل: لأنه يرضع الناسَ، أي: يسألهم ويستعطيهم، وقيل: لأنه لِلُؤمه لا يكون معه محلب، فإذا سُئل اللبن اعتلَّ بذلك، وإذا أراد الشرب رضع بفِيه مباشرة! وقيل غير ذلك. انظر: «النهاية» و«التاج» (رضع).
القوم عِطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السَّرْح وأخذت بأعناق القوم، فقال النبي ﷺ: «ملكتَ فأَسجِحْ» ثم قال: «إنهم الآن ليُقْرَون في غطفان»١.
وذهب الصريخ بالمدينة إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد ولم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ بذِي قَرَد.
قال عبد المؤمن بن خلف٢: فاستنقذوا عشرَ لقاح وأفلتَ القومُ بما بقي وهي عشر.
قلت: وهذا غلط بيِّن، والذي في «الصحيحين»٣: أنهم استنقذوا اللقاح كلها، ولفظ مسلم في «صحيحه»٤ عن سلمة: «حتى ما خلق الله من شيء من لقاح رسول الله ﷺ إلا خلَّفتُه وراء ظهري واستلبت منهم ثلاثين بردةً».
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤١، ٤١٩٤) ومسلم (١٨٠٦، ١٨٠٧) من حديث سلمة بن الأكوع. قوله: «ملكت فأسجح» من أمثال العرب ومعناه: إذا ملكت الأمر وظفِرت به فاعفُ وأحسن، وكأن المعنى هنا: استنقذتَ اللقاح وملكتها فارفق ولا تبالغ في المطالبة. وقوله: «يُقرَون في غطفان» أي قد وصلوا إلى بلادهم ويُضيَّفون هنالك، فلا فائدة في البعث في أثرهم.
(٢) «السيرة» للدمياطي (ق ٨٨ ب). هكذا ذكره ابن سعد في «الطبقات» (٦/ ١٧٥) ــ والدمياطي صادر عنه ــ من طريق شيخه الواقدي، وهو عنده في «المغازي» (٢/ ٥٤٢).
(٣) من حديث سلمة، وقد سبق تخريجه آنفًا.
(٤) برقم (١٨٠٧) بفروق يسيرة في لفظه عمَّا ذكره المؤلف، ولعله كتبه من حفظه.