كانت قبل الحديبية، وإلا فبعد الهدنة لم تتعرَّض سرايا رسول الله ﷺ لقريش. ولكن زعم موسى بن عقبة أن قصة أبي العاص كانت بعد الهدنة، وأن الذي أخذ الأموال أبو بصير وأصحابُه، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله ﷺ لأنهم كانوا منحازين عنه بسِيف البحر١، وكان لا يمرُّ بهم عِيرٌ لقريش إلا أخذوها؛ هذا قول الزهري.
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قصة أبي بصير٢: ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مرَّ بهم أبو العاص بن الربيع ــ وكانت تحته زينب بنت رسول الله ﷺ ــ في نفرٍ من قريش، فأخذوهم وما معهم وأسروهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لصهر رسول الله ﷺ من أبي العاص ــ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها ــ، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته زينب، فكلَّمها أبو العاص في أصحابه الذين أَسَرَ أبو جندل وأبو بصير٣ وما أخذوا لهم، فكلمت رسولَ الله ﷺ في ذلك، فزعموا أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس فقال: «إنا صاهرنا أناسًا وصاهرنا أبا العاص فنعمَ الصِّهرُ وجدناه، وإنه أقبل من الشام في أصحابٍ له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدًا، وإن زينب
(١) أي بساحله.
(٢) كما في «دلائل النبوة» (٤/ ١٧٢ - ١٧٥) من طريقين عن موسى بن عقبة به.
(٣) ص، د، ز، ع: «الذين أسروا أبا جندل وأبا بصير». م، ق، ب، ث: «أسروا أبا جندل وأبو بصير». والمثبت من ن، هامش ز مُعْلَمًا عليه بـ «خ»، وهو موافق لما في «الدلائل».
بنتَ رسول الله سألتني أن أُجيرَهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟»، فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابَه قولُ رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم١ كلَّ شيء أخذ منهم حتى العِقال، وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدَموا عليه، ويأمرُ من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم وأن لا يتعرَّضوا لأحدٍ من قريش وعِيَراتها٢،
فقدم كتاب رسول الله ﷺ على أبي بصير وهو في الموت، فمات وهو على صدره، فدفنه أبو جندل مكانه٣، وقدِم أبو جندل على رسول الله ﷺ وأمنت عِيَراتُ قريش ــ وذكر باقي الحديث.
وقول موسى بن عقبة أصوب. وأبو العاص إنما أسلم زمن الهدنة، وقريش إنما انبسطت عيراتها إلى الشام في زمن الهدنة، وسياق الزهري للقصة بَيِّن ظاهر أنها كانت في زمن الهدنة٤.
قال الواقدي٥: وفيها أقبل دحية بن خليفة الكلبيُّ من عند قيصر٦،
(١) م، ق، ب، ث: «عليهم».
(٢) المطبوع: «عِيرها» هنا وفي الموضعين الآتيين، خلافًا للأصول .. و«العِيَرات» بفتح الياء جميع العِير.
(٣) «مكانه» ساقط من م، ق، ب، ث.
(٤) «وسياق الزهري ... الهدنة» ساقط من ص، د، ومستدرك في هامش ز، ع بخط مغاير.
(٥) في «مغازيه» (٢/ ٥٥٥)، والمؤلف صادر عن «دلائل النبوة» (٤/ ٨٤).
(٦) وذلك أن النبي ﷺ كان قد كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي، كما عند البخاري (٢٩٤٠) وغيره.