زاد المعاد

قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن الله قال لعيسى ابن مريم: إني باعث من بعدك أمةً إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا ربِّ، كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي».

ومن هذا: اختياره سبحانه من الأماكن والبلاد خيرَها وأشرفَها، وهي البلد الحرام. فإنه سبحانه اختاره لبيته١، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كلِّ فجٍّ عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا. وجعله حرمًا آمنًا لا يُسفَك فيه دم، ولا يُعضَد به٢ شجرة، ولا يُنفَّر له صيد، ولا يُختلى خَلاه٣، ولا تُلتقَط لقطته للتملُّك٤ بل للتعريف ليس إلا.

  1. (١) مب، ن: «لنبيه ﷺ».
  2. (٢) لم يرد «به» في ج، ك، ع فيقرأ: «ولا يُعضَد شجرُه».
  3. (٣) ك، ع: «خلاؤه». وكذا وقع بالمد في رواية القابسي لحديث ابن عباس في «صحيح البخاري» (١٨٣٤) فيما نقله الحافظ في «الفتح» (٤/ ٤٨) عن ابن التين. وقد خطّؤوا هذه الرواية. انظر: «مشارق الأنوار» (١/ ٢٣٩، ٢٤٠) و«هدى الساري» (ص ١١٤).
  4. (٤) ع، ك، مب: «للتمليك».
22

وجعل قصدَه مكفِّرًا لما سلف من الذنوب، ماحيًا للأوزار، حاطًّا للخطايا، كما في «الصحيحين»١ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أتى هذا البيت فلم يرفُث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه».

ولم يرضَ لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي «السنن»٢ من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «تابِعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد. وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة». وفي «الصحيح»٣ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما٤ بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

ولو لم يكن البلد الأمين خيرَ بلاده، وأحبَّها إليه، ومختارَه من البلاد= لما جعل عرصاتها مناسك لعباده، وفرَضَ عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه في موضعين منه فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]، وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]. وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كلِّ قادر السعيُ٥ إليها والطوافُ بالبيت الذي

  1. (١) البخاري (١٨٢٠) ومسلم (١٣٥٠).
  2. (٢) للترمذي (٨١٠) والنسائي (٢٦٣١)، وأخرجه أحمد (٣٦٦٩). صححه الترمذي وابن خزيمة (٢٥١٢) وابن حبان (٣٦٩٣).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «الصحيحين». والحديث أخرجه البخاري (١٧٧٣) ومسلم (١٣٤٩).
  4. (٤) ع، ك: «ما».
  5. (٥) ص، ج: «السفر».
23

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي