أن نزحوه، فشَكَوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه١.
وفزعت٢ قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس لي بمكة أحد من بني كعبٍ يغضب لي إن أوذيت فأرسِلْ عثمانَ بن عفانَ فإن عشيرته بها وإنه يُبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: «أخبِرْهم أنَّا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهم إلى الإسلام» وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ فيدخلَ عليهم ويبشِّرَهم بالفتح ويخبرَهم أن الله تعالى مُظهرٌ دينَه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان.
(١) من أول الفصل إلى هنا جزء من حديث طويل رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن المِسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يُصَدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه. أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٩٧٢٠)، ومن طريقه أحمد (١٨٩٢٨) والبخاري (٢٧٣١) وابن حبان (٤٨٧٢) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٩) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢١٨) و«الدلائل» (٤/ ٩٩)، إلا أن لفظ البخاري ناقص الأول يبدأ من قوله: «خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: إن خالدًا بالغميم ...»، وما قبله من أول الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (٤١٧٨) من طريق ابن عيينة عن الزهري به. هذا وقد بقي جزء كبير من هذا الحديث، وسيسوقه المؤلف بعد صفحتين من قوله: «وبينا هم كذلك إذ جاء بديل ...» إلخ.
(٢) من هنا ينقل المؤلف من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. أخرجها البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٣٣).
فانطلق عثمان فمر على قريشٍ١ فقالوا: أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول٢ فانفُذْ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحَّب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس٣ ورَدِفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَص عثمان بن عفَّان من بيننا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله ﷺ: «ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون»، قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: «ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معًا».
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح٤، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر فكانت مُعارَكةٌ وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين من فيهم٥، وبلغ
(١) زِيد بعده في هامش س مصححًا عليه، ن: «بِبَلْدَحَ» نقلًا من مصدر المؤلف، وليس في عامّة الأصول. و«بلدح» وادٍ في مكة جهة المغرب، ويُسمَّى اليوم وادي أمِّ الجُود. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٤٩).
(٢) ب: «سمعنا مقالتك».
(٣) بعده في ن ومصدر التخريج: «وأجاره»، وأُلحِقت في س بعد قوله: «وأسرج فرسه».
(٤) وذلك بعد أن أتى سُهيل بن عمرو وغيره من وفد قريش. والمؤلف حذف ذكر ذلك هنا في رواية عروة، لأنه سيسوقه لاحقًا من رواية المسور ومروان.
(٥) أي: أخذ كل واحدٍ من الفريقين مَن فيهم من الفريق الآخر رهائن، «فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفّان». «دلائل النبوة» (٤/ ١٣٤).