فانطلق عثمان فمر على قريشٍ١ فقالوا: أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول٢ فانفُذْ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحَّب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس٣ ورَدِفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَص عثمان بن عفَّان من بيننا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله ﷺ: «ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون»، قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: «ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معًا».
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح٤، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر فكانت مُعارَكةٌ وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين من فيهم٥، وبلغ
(١) زِيد بعده في هامش س مصححًا عليه، ن: «بِبَلْدَحَ» نقلًا من مصدر المؤلف، وليس في عامّة الأصول. و«بلدح» وادٍ في مكة جهة المغرب، ويُسمَّى اليوم وادي أمِّ الجُود. انظر: «المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٤٩).
(٢) ب: «سمعنا مقالتك».
(٣) بعده في ن ومصدر التخريج: «وأجاره»، وأُلحِقت في س بعد قوله: «وأسرج فرسه».
(٤) وذلك بعد أن أتى سُهيل بن عمرو وغيره من وفد قريش. والمؤلف حذف ذكر ذلك هنا في رواية عروة، لأنه سيسوقه لاحقًا من رواية المسور ومروان.
(٥) أي: أخذ كل واحدٍ من الفريقين مَن فيهم من الفريق الآخر رهائن، «فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفّان». «دلائل النبوة» (٤/ ١٣٤).
رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل١ فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفرُّوا، فأخذ رسولُ الله ﷺ بيد نفسه وقال: «هذه عن عثمان»٢.
ولمّا تمت البيعة رجع عثمان فقال المسلمون له: اشتفَيتَ يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي! والذي نفسي بيده لو مكثتُ بها سنةً ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوفَ رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيتُ، فقال المسلمون: رسول الله ﷺ كان أعلمَنا بالله وأحسنَنا ظنًّا٣.
وكان عمرُ آخذًا بيد رسول الله ﷺ للبيعة وهو تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجَدَّ بن قيس٤.
وكان معقل بن يسار آخذًا بغُصْنها يرفعه عن٥ رسول الله ﷺ٦.
(١) قوله: «وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل» ليس عند عروة، وإنما أضافه المؤلف من رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، كما في «الدلائل» (٤/ ١٣٥). وانظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣١٤ - ٣١٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٩٨، ٤٠٦٦) من حديث ابن عمر بلفظ: «هذه لعثمان». وهذا أيضًا لم يذكره عروة في روايته.
(٣) هنا انتهى نقل المؤلف من رواية ابن لَهِيعة عن أبي الأسود عن عروة، مع بعض اختصار وتصرّف.
(٤) أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٨٥٦/ ٦٩) من حديث جابر.