وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي١. وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات: في أول الناس ووسطهم وآخرهم٢.
فبينا٣ هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي في نفر من خزاعة ــ وكانوا عَيبة نُصحِ رسولِ الله ﷺ٤ من أهل تهامة ــ فقال: إني تركتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبية٥، معهم العُوذ المطافيل٦، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله ﷺ: «إنّا لم نجئ لقتال أحدٍ ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا نهكتهم الحربُ وأضرَّت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلُّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جَمُّوا٧، وإن أبوا إلا القتالَ فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي٨ أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمرَه».
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٣١٧٥، ٣٦٩١٩) وابن سعد (٢/ ٩٦) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٣٧) من مرسل الشعبي.
(٢) أخرجه مسلم (١٨٠٧) من حديث سلمة.
(٣) من هنا رجع المؤلف إلى النقل من حديث المسور بن مخرمة ومروان الحكم الطويل، وقد سبق تخريجه قبل ثلاث صفحات.
(٤) أي: كانوا مَوضع النصحِ له والأمانةِ على سرِّه، تشبيهًا لهم بـ «العَيبة» التي هي وعاء يجعل فيه الرجل نفيسَ متاعه.
(٥) أي نزلوا على العيون والآبار، والأعداد: جمع «عِدٍّ» بكسر العين، وهو الماء الذي لا انقطاع له كماء العين والبئر.
(٦) العُوذ: جمع عائذ وهي الناقة التي وضعت ولدها حديثًا. والمطافيل: جمع مُطْفِل وهي الناقة التي معها ولدها. يريد أنهم جاؤوا بأجمَعِهم كبارهم وصغارِهم.
(٧) أي: وإن لم يريدوا الدخول فقد جَمُّوا، أي: استراحوا من الحرب.
(٨) كناية عن القتل، والسالفة هي صفحة العنق.
قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولًا فإن شئتم عرضته عليكم، فقالت سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدِّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خُطَّة رشدٍ فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أَيْ محمد أرأيت لو استأصلتَ قومَك هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أصلَه١ قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أوشابًا من الناس خُلَقاء أن يفرُّوا ويدعوك. فقال أبو بكر: امصص بَضْرَ٢ اللات أنحن نفر عنه وندعه؟! قال: من ذا؟ قال: «أبو بكر»، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجزِك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي ﷺ وكلمَّا كلَّمه أخذ بلحيته، والمغيرةُ بن شعبة عند رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروةُ إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله ﷺ! فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
فقال: أي غُدَر! أولستُ أسعى في غَدرتك؟! وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم
(١) المطبوع: «أهله» خلافًا للأصول وإن كان موافقًا لبعض نسخ «صحيح البخاري» ولمطبوعة: «معجم الطبراني»، والمثبت من الأصول موافق لنسخة أبي ذر للصحيح ولسائر مصادر التخريج. انظر: «صحيح البخاري» الطبعة السلطانية (٣/ ١٩٤) و«إرشاد الساري» (٤/ ٤٤٦).
(٢) كذا في الأصول بالضاد، وهي لغة في البظر. انظر: «تهذيب اللغة» (١٢/ ٣٠، ١٤/ ٣٧٨) و«تاج العروس» (٧/ ١٨٨ - نظح).