المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عُذِّب في الله عذابًا شديدًا.
قال عمر بن الخطاب: واللهِ ما شككت منذ أسلمتُ إلا يومئذٍ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: «بلى»، فقلت: علامَ نعطي الدنيَّةَ في ديننا ونرجع ولمَّا يحكمِ اللهُ بيننا وبين أعدائنا١؟ فقال: «إني رسول الله وهو ناصري، ولست أَعصيه». قلت: أولستَ كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت ونَطَّوَّف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟»، قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوِّفٌ به»، قال فأتيتُ أبا بكر فقلت له كما قلتُ لرسول الله ﷺ، ورد عليه٢ أبو بكر كما رد عليه رسول الله ﷺ سواءً وزاد: «فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق»، قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا.
(١) قول عمر: «ونرجع ...» إلخ ليس في حديث المسور ومروان. ولكنه ورد بنحوه في حديث سهل بن حُنيف عند البخاري (٣١٨٢) ومسلم (١٧٨٥/ ٩٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٤٨).
(٢) المطبوع: «عليَّ» هنا وفي الموضع الآتي خلافًا للأصول، وإنما وقع الالتفات من التكلم إلى الغيبة لأنه ليس نصَّ قول عمر، وإنما اختصار من المؤلف لما أجابه به أبو بكر ﵁.
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، قال: فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرجْ ثم لا تكلِّمْ أحدًا١ كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعوَ حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾[الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ والأخرى صفوان بن أمية.
ثم رجع إلى المدينة وفي مرجعه أنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ١ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ٢ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾[الفتح: ١ - ٣]، فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: «نعم»٢. فقال الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٤]٣.
(١) بعده في ب، المطبوع: «منهم»، وليس في سائر الأصول، ولا في «الدلائل» والمؤلف صادر عنه.
(٢) هذا الخبر ليس في حديث المسور ومروان، وإنما أخرجه البخاري (٣١٨٢) ومسلم (١٧٨٥/ ٩٤) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٤٨) من حديث سهل بن حُنيف.
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٢٤٠) والحاكم (٢/ ٤٦٠) من طرق عن قتادة عن أنس موصولًا، وهو معلول، والصواب أنه عن قتادة عن عكرمة مرسلًا كما جاء موضّحًا في رواية شعبة عنه عند أبي يعلى (٣٢٥٢) وأبي عوانة (٧٢٥٦). وانظر: «الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ٤٦٠ - ٤٧٣).