زاد المعاد

فصل

في بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية

فمنها: اعتمار النبي ﷺ في أشهر الحج، فإنه خرج إليها في ذي القعدة.

ومنها: أن الإحرام بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك، فإنه أحرم بهما من ذي الحُلَيفة وبينها وبين المدينة ميل أو نحوه. وأما حديث: «من أحرم بعمرةٍ من بيت المقدس غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، وفي لفظ: «كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب» = فحديث لا يثبت، وقد اضطرب فيه إسنادًا ومتنًا اضطرابًا شديدًا١.

ومنها: أن سوق الهدي مسنون في العمرة المفردة كما هو مسنون في القِران.

ومنها: أن إشعار الهدي سنة، لا مُثلة منهيٌّ عنها.

ومنها: استحباب مُغايَظة أعداء الله٢، فإن النبي ﷺ أهدى في جُملة هديه جملًا لأبي جهل في أنفه بُرَة من فضة يغيظ به المشركين، وقد قال تعالى في صفة رسول الله ﷺ وأصحابه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٦٥٥٧، ٢٦٥٥٨) وأبو داود (١٧٤١) وابن ماجه (٣٠٠٢) ــ واللفظ الثاني له ــ وابن حبان (٣٧٠١) من حديث أم سلمة. وانظر للكلام عليه: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ١٦٠ - ١٦١) و«المحلى» (٧/ ٧٦) و«البدر المنير» (٦/ ٩٢) وهامش محققي «المسند» طبعة الرسالة (٤٤/ ١٨١).
  2. (٢) قال المؤلف: «وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس». «مدارج السالكين (١/ ٢٢٧).
356

فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾١ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].

ومنها: أن أمير الجيش ينبغي أن يبعث العيون أمامَه نحوَ العدو.

ومنها: أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عَينه الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقربُ إلى اختلاطه بالعدوِّ وأخذه أخبارَهم.

ومنها: استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجًا لوجه الرأي، واستطابةً لنفوسهم، وأمنًا لِعَتْبهم، وتعرُّفًا لمصلحةٍ تَختصُّ٢ بعضَهم دون بعضٍ، وامتثالًا لأمر الرب تعالى في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد مدح عبادَه سبحانه بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].

ومنها: جواز سَبْيِ ذراريِّ المشركين إذا انفردوا عن رجالهم قبل مقاتلة الرجال.

ومنها: ردُّ الكلام الباطل ولو نسب إلى غير مكلّفٍ، فإنهم لما قالوا: «خلأت القصواء»، يعني حَرَنت وألحَّت فلم تسرِ، والخِلاءُ في الإبل بكسر الخاء وبالمدِّ نظيرُ الحِران في الخيل؛ فلما نسبوا إلى الناقة ما ليس من خلقها

  1. (١) في ص، د، ز بدأ من قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
  2. (٢) بعده في هامش ز، هامش س مصححًا عليه، ن: «بعلمها»، فصار السياق كما في النسخ المطبوعة: «يختصُّ بعلمها بعضُهم دون بعضٍ».
357

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي