زاد المعاد

أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرة١ من مكة يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجتُ». قال الترمذي: هذا حديث صحيح٢.

ومن خصائصها: كونها قبلةً لأهل الأرض كلهم، فليس لله على وجه الأرض قبلة غيرها.

ومن خواصِّها أيضًا: أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة دون سائر بقاع الأرض. وأصحُّ المذاهب في هذه المسألة: أنه لا فرق في ذلك بين الفضاء والبنيان لبضعة عشر دليلًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع٣. وليس مع المفرِّق ما يقاومها البتة مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان، وليس هذا موضع استيفاء الحِجاج من الطرفين.

ومن خواصِّها أيضًا: أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض،

  1. (١) موضع بمكة، وكان سوقها، وقد دخل في المسجد لما زيد فيه. انظر: «معجم البلدان» (٢/ ٢٥٥).
  2. (٢) في نسخة الكروخي (ق ٢٦٥) و«تحفة الأشراف» (٥/ ٣١٦) كما ذكره المؤلف. وفي نشرتي أحمد شاكر وبشار عواد من «الجامع»: «حسن صحيح غريب».
  3. (٣) لم أجده في مؤلفاته الموجودة. ولكن سيأتي ذكر بعض الأدلة في المجلد الثاني من هذا الكتاب (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٩)، وانظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨) ط دار ابن خزيمة، و«تهذيب السنن» (١/ ٨ - ١٢).
25

كما في «الصحيحين»١ عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عامًا». وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام. وهذا من جهل هذا القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسَّسه هو يعقوب بن إسحاق ﷺ بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار.

ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى. فالقرى كلها تبع لها وفرع عليها، وهي أصل القرى، فيجب أن لا يكون لها في القرى عديل. وهذا كما أخبر النبي ﷺ عن (الفاتحة) أنها أم القرآن٢، ولذلك لم يكن في الكتب الإلهية لها عديل.

ومن خصائصها: أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، وهذه خاصِّيَّة٣ لا يشاركها فيها شيء من البلاد. وهذه المسألة تلقَّاها الناس عن ابن عباس، وقد روي بإسناد لا يحتج به عن ابن عباس مرفوعًا: «لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام، من أهلها أو من غير أهلها». ذكره أبو أحمد بن عدي٤، ولكن الحجاج بن أرطاة بالطريق، وآخر قبله من الضعفاء.

  1. (١) البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٥٢٠).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤٧٠٤) عن أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) ع، ك: «خاصّة».
  4. (٤) في «الكامل» (٩/ ٣٨٨ - ط. الرشد) في ترجمة محمد بن خالد الواسطي وهو الذي أشار إليه المؤلف؛ وهو والحجاج بن أرطاة كلاهما ضعيف. وقال ابن عدي: «لا أعرفه مسندًا إلا من هذا الطريق». لكن ثبت موقوفًا عن ابن عباس من غير وجه، أصحها ما أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» (٣/ ٣٢٩) والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٧٧)، وجوَّد الحافظ إسناده في «التلخيص الحبير» (٤/ ١٥٧٠).
26

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي