زاد المعاد

وازدادوا به إيمانًا١.

ومنها: أنه سبحانه جعل هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونصرِه النصرَ العزيز؛ فَرِضاه به ودخولُه تحته، وانشراحُ صدره به مع ما فيه من الضيمِ وإعطاءِ ما سألوه= كان من الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله سبحانه جزاءً وغايةً، وإنما يكون ذلك على فعلٍ قام بالرسول والمؤمنين عند حُكمِه تعالى٢ وفتحه.

وتأمل كيف وصف سبحانه النصرَ بأنه عزيز في هذا الموطن، ثم ذكر إنزال السكينة في٣ قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشدَّ القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم.

ثم ذكر سبحانه بيعتهم لرسوله وأكَّدها بكونها بيعةً له سبحانه، وأن يده تعالى كانت فوق أيديهم إذ كانت يد رسوله٤ كذلك، وهو رسوله ونبيه،

  1. (١) يشير المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وسيتناول المؤلف فيما يلي سائر السورة بذكر بعض الحكم والفوائد المستنبطة منها.
  2. (٢) ث: «حكمة الله تعالى»، خطأ.
  3. (٣) قوله: «سبحانه النصرَ ... السكينة في» جاء في هامش س مصححًا عليه، هامش ز بخط مغاير، ن، وسقط من سائر الأصول.
  4. (٤) ب، ث، س: «رسول الله».
369

فالعقد معه عقد مع مرسِله وبيعته بيعته، فمن بايعه فكأنما بايع الله ويد الله فوقَ يده. وإذا كان الحجر الأسود يمينَ الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه١ = فيدُ رسوله أولى بهذا من الحجر الأسود.

ثم أخبر أن ناكث هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوْفي بها أجرًا عظيمًا، وكلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بيعةً على الإيمان٢ وحقوقِه، فناكثٌ ومُوفٍ.

ثم ذكر حال من تخلَّف عنه من الأعراب، وظنَّهم أسوأَ الظن بالله أنه يَخذُل رسولَه وأولياءه وجنده، ويُظفِر بهم عدوَّهم فلن ينقلبوا إلى أهليهم. وذلك من جهلهم بالله وأسمائه وصفاته وما يليق به، وجهلِهم برسوله وما هو أهلٌ أن يعامله به ربُّه ومولاه.

ثم أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البيعة٣ لرسوله، وأنه سبحانه علم ما في قلوبهم حينئذٍ من الصدق والوفاء وكمالِ الانقياد والطاعة وإيثار اللهِ ورسولِه على ما سواه، فأنزل السكينة والطمأنينة والرضى في قلوبهم، وأثابهم على الرضى بحكمه والصبر لأمره فتحًا قريبًا ومغانمَ كثيرةً يأخذونها، وكان أولُ الفتح والمغانم فتحَ خيبر ومغانمَها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى انقضاء الدهر.

  1. (١) صحّ معناه عن ابن عبّاس موقوفًا عليه. أخرجه عبد الرزاق (٨٩٢٠) وابن أبي عمر في «مسنده» ــ كما في «المطالب العالية» (١٢٢٣) ــ والأزرقي في «أخبار مكة» (١/ ٣٢٤، ٣٢٦). وروي مرفوعًا من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٢٩٥٧)، ومن حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم (١/ ٤٥٧)، ولكنهما ضعيفان.
  2. (٢) ص، ز، د: «بيعةَ الإيمان».
  3. (٣) س، ن: «وقت البيعة»، تصحيف، وفي س أُسقط «بدخولهم» ليستقيم الكلام.
370

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي