قال: فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إن الله تعالى فتحها عليهم، فلما أمسَوا أَوقدوا نيرانًا كثيرةً فقال رسول الله ﷺ: «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أي لحم؟» قالوا: لحم حمر إنسية، فقال رسول الله ﷺ: «أَهْرِيقوها واكسروها»، فقال رجل: أو نُهَريقها ونغسلها؟ فقال: «أو ذاك».
فلما تصافَّ القومُ خرج مرحب يَخطِر بنفسه١ وهو يقول:
قد علمت خيبرُ أني مرحبُشاكي السلاح بطل مجرَّبُ
إذا الحروبُ أقبلت تلهَّب
فنزل٢ إليه عامر وهو يقول:
قد علمت خيبر أني عامرُشاكي السلاح بطل مُغامِرُ
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في تُرس عامر فذهب عامر يَسْفُل له ــ وكان سيف عامر فيه قِصَر ــ فرجع عليه ذبُاب سيفه فأصاب عينَ ركبته فمات منه، فقال سلمة للنبي ﷺ: زعموا أن عامرًا حبط عمله. فقال: «كذب من قال! له أجران ــ وجمع بين أصبعيه ــ؛ إنه لجاهِدٌ مجاهد، قلَّ عربيٌّ مشى بها مثلَه»٣.
(١) كذا في الأصول. وفي المطبوع: «بسيفه»، وهو لفظ «الصحيحين» وغيرهما. ومعنى «يخطِر»: يتبختر معجَبًا بنفسه متعرِّضًا للمبارزة.
(٢) س، ن: «فبرز».
(٣) أخرجه البخاري (٤١٩٦، ٦١٤٨) ومسلم (١٨٠٢/ ١٢٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٠) ــ والمؤلف صادر عنه ــ من حديث سلمة بن الأكوع بطوله، إلا ذكر مرحبٍ وارتجازه وارتجاز عامرٍ فإنه عند مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٧) من حديث سلمة أيضًا.
فصل
ولما قدم رسول الله ﷺ خيبرَ صلى بها الصبح وركب١ وركب المسلمون، فخرج أهلُ خيبرَ بمساحيهم ومَكاتِلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله! محمد والخميس! ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم٢، فقال النبي ﷺ: «الله أكبر خربت خيبر! الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين»٣.
ولما دنا النبي ﷺ منها وأشرف عليها قال: «قِفُوا»، فوقف الجيش فقال: «اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللن، وربَّ الشياطينِ وما أضللن، فإنا نسألك٤ خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها وخيرَ ما فيها، ونعوذ بك من شرِّ هذه القرية وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها. أقدموا بسم الله»٥.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٠) ومسلم (١٣٦٥/ ٨٤) (ج ٢/ص ١٠٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣) واللفظ له.
(٤) من هنا تبدأ نسخة القرويين الثانية (ف) بخط ناسخها، وتبدأ مقابلتنا عليها. وما قبله فكان بخط حديث كثير التصحيف والتحريف.
(٥) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٢٩) ــ والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٤)، وإسناده ضعيف. وذكر الواقدي (٢/ ٦٤٢) عن شيوخه نحوه. وله شاهد جيد من حديث صهيب: «أن النبي ﷺ لم يَرَ قريةً يريد دخولها إلا قال حين يراها ...» فذكره وزاد فيه: «وربَّ الرياح وما ذَرَين». وقد سبق تخريجه في «فصل في هديه ﷺ في سفره» (١/ ٥٨٨).