ولما قدم رسول الله ﷺ خيبرَ صلى بها الصبح وركب١ وركب المسلمون، فخرج أهلُ خيبرَ بمساحيهم ومَكاتِلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: محمد والله! محمد والخميس! ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم٢، فقال النبي ﷺ: «الله أكبر خربت خيبر! الله أكبر خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين»٣.
ولما دنا النبي ﷺ منها وأشرف عليها قال: «قِفُوا»، فوقف الجيش فقال: «اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظللن، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللن، وربَّ الشياطينِ وما أضللن، فإنا نسألك٤ خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها وخيرَ ما فيها، ونعوذ بك من شرِّ هذه القرية وشرِّ أهلها وشرِّ ما فيها. أقدموا بسم الله»٥.
(٣) أخرجه البخاري (٦١٠) ومسلم (١٣٦٥/ ٨٤) (ج ٢/ص ١٠٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣) واللفظ له.
(٤) من هنا تبدأ نسخة القرويين الثانية (ف) بخط ناسخها، وتبدأ مقابلتنا عليها. وما قبله فكان بخط حديث كثير التصحيف والتحريف.
(٥) أخرجه ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٢٩) ــ والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٤)، وإسناده ضعيف. وذكر الواقدي (٢/ ٦٤٢) عن شيوخه نحوه. وله شاهد جيد من حديث صهيب: «أن النبي ﷺ لم يَرَ قريةً يريد دخولها إلا قال حين يراها ...» فذكره وزاد فيه: «وربَّ الرياح وما ذَرَين». وقد سبق تخريجه في «فصل في هديه ﷺ في سفره» (١/ ٥٨٨).
ولما كان ليلة الدخول قال: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولهُ، يفتح الله على يديه»، فبات الناس يَدُوكون أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناسُ غدَوا على رسول الله ﷺ كلُّهم يرجو أن يعطاها فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: «فأرسِلوا إليه»، فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفُذْ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبِرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فواللهِ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعَم»١.
فخرج مرحب وهو يقول:
أنا الذي سمَّتْني أمي مرحبُشاكي السلاح بطل مجرَّب
إذا الحروب أقبلت تلهَّبُ
فبرز إليه علي وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حيدرَهكليثِ غاباتٍ كريه المنظره
أُوفيهم بالصاع كَيلَ السندره٢
فضرب مرحبًا ففلق هامته، وكان الفتح٣.
(١) أخرجه البخاري (٣٧٠١، ٤٢١٠) ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعدٍ ﵁.
(٢) السندرة مِكيال واسع ضخم، والمعنى أجازي الأعداء على فعلهم بقتلٍ واسع ذريع.
(٣) أخرجه مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٠٩).