ثم خرج ياسر١، فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمُّه: يا رسول الله، يقتل ابني! فقال: «بل ابنكِ يقتله إن شاء الله»، فقتله الزبير٢.
قال موسى بن عقبة٣: ثم دخل اليهود حصنًا لهم منيعًا يقال له: «القَمُوص»، فحاصرهم رسول الله ﷺ قريبًا من عشرين ليلةً، وكانت أرضًا وَخِمةً شديدةَ الحرِّ فجَهَد المسلمون جَهدًا شديدًا فذبحوا الحمرَ فنهاهم النبي ﷺ عن أكلها. وجاء عبدٌ أسود حبشي من أهل خيبر كان في غنمٍ لسيِّده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي فوقع في نفسه ذكرُ النبي ﷺ فأقبل بغنمه إلى رسول الله ﷺ فقال: ماذا تقول وما تدعو إليه؟ قال: «أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن لا تعبد إلا الله». قال العبد: فما لي إن أنا شهدت وآمنت بالله ﷿؟ قال: «لك الجنة إن متَّ على ذلك»، فأسلَم ثم قال: يا نبي الله، إن هذه الغنم عندي أمانة، فقال له رسول الله ﷺ: «أخرجها من عندك وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك»، ففعل فرجعت الغنم إلى سيدها فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم، فقام رسول الله ﷺ في
(١) المطبوع: «ثم خرج [بعد مرحب أخوه] ياسر». هكذا زيدت هذه الزيادة بين الحاصرتين دون أي تنبيه أو تعليق. وهي مأخوذة من «سيرة ابن هشام».
(٢) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٣٣٤) ــ عن هشام بن عروة مرسلًا. والمؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ٢١٧). وانظر: «مغازي الواقدي» (٢/ ٦٥٧).
(٣) كما في «دلائل النبوة» (٤/ ٢١٩)، وذكر أن ابن لَهِيعة روى عن أبي الأسود عن عروة بنحوه. وله شاهد من حديث جابر عند الحاكم (٢/ ١٣٦) وعنه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٢١) بإسناد فيه لين.
الناس فوعظهم وحضَّهم١ على الجهاد، فلما التقى المسلمون واليهود قُتِل فيمن قتل: العبد الأسود، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم٢ فأُدخِل في الفسطاط، فزعموا أن رسول الله ﷺ اطلع في الفسطاط ثم أقبل على أصحابه فقال: «لقد أكرم الله هذا العبد وساقه إلى خير، ولقد رأيتُ عند رأسه اثنتين من الحور العين»، ولم يُصَلِّ للهِ سجدةً قط.
وقال حماد بن سلمة: عن ثابت عن أنس: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللَّون قبيحُ الوجه منتنُ الريح لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: «نعم». فتقدَّم فقاتلَ حتى قُتِل فأتى عليه النبي ﷺ وهو مقتول فقال: «لقد أحسن الله وجهَك وطيَّب ريحَك وكثَّر مالك». ثم قال: «لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تنزعان جبته عنه تدخلان فيما بين جلده وجبته»٣.
وقال شداد بن الهاد: جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه فقال: أهاجر معك، فأوصى به بعضَ أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ شيئًا فقَسَمه، وقسم للأعرابي فأعطى أصحابه ما قسمه له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَم لك٤ رسولُ الله ﷺ، فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال:
(١) في الأصول عدا ث: «وحظَّهم».
(٢) ن، المطبوع: «معسكرهم».
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٩٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٢١) ــ واللفظ له ــ من طريقين عن حماد بن سلمة به. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.