العنوة بين قَسمها ووقفها وقسمِ بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله ﷺ الأنواع الثلاثة: فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها، وقد تقدَّم تقرير كون مكة فتحت عنوةً بما لا مدفع له.
وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمةً من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفًا وأربعمائةٍ، وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانمائة. ولم يَغِب عن خيبر من أهل الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فقسم له رسول الله ﷺ كسهم١ مَن حضرها.
وقسم للفارس ثلاثةَ أسهمٍ وللراجل سهمًا، وكانوا ألفًا وأربعمائة وفيهم مائتا فارس، هذا هو الصحيح الذي لا ريب فيه.
وروى عبد الله العُمَري عن نافع عن ابن عمر أنه أعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا٢.
قال الشافعي٣: كأنه سمع نافعًا يقول: «للفرس سهمين وللرجل سهمًا» فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا. قال٤: وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ، وقد أخبرنا الثقة
(١) ز: «كقسم»، تصحيف.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٣٢٠) والدارقطني (٤١٨٢) والبيهقي في «السنن» (٦/ ٣٢٥) من طرق عن عبد الله العمري به. وعبد الله هذا وإن كان صالحًا في نفسه عابدًا إلا أنه في الحديث ليس بذاك.
(٣) في «القديم» كما في «معرفة السنن والآثار» (٩/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٤) «سهمين وللراجل سهما. قال» ساقط من المطبوع.
من أصحابنا عن إسحاق الأزرق الواسطي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهمين وللفارس بسهم١.
ثم روى٢ من حديث أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه. وهو في «الصحيحين»٣. وكذلك رواه الثوري وأبو أسامة عن عبيد الله٤.
قال الشافعي٥: ورُوي عن مُجمِّع بن جارية٦ أن النبي ﷺ قسم سهام خيبر على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيشُ ألفًا وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهمًا٧.
(١) «معرفة السنن» (٩/ ٢٤٦)، وهو في «الأم» (٥/ ٣١٦).
(٢) في «القديم» كما في «معرفة السنن». وأخرجه من طريق أبي معاوية أيضًا أحمد (٤٤٤٨) وأبو داود (٢٧٣٣) وابن ماجه (٢٨٥٤).
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٦٣، ٤٢٢٨) من طريق أبي أسامة وزائدة، ومسلم (١٧٦٢) من طريق سليم بن أخضر وعبد الله بن نمير؛ كلُّهم عن عبيد الله به.
(٤) من طريق الثوري أخرجه ابن حبان (٤٨١١) والدارقطني (٤١٦٤). ومن طريق أبي أسامة أخرجه البخاري كما سبق.
(٥) كما في «معرفة السنن» (٩/ ٢٤٨).
(٦) تصحّف في الأصول عدا ز، س إلى: «حارثة».
(٧) أخرجه أحمد (١٥٤٧٠) وأبو داود (٢٧٣٦) والحاكم (٢/ ١٣١) كلهم من طريق مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع بن يزيد بن جارية، عن أبيه يعقوب، عن عمِّه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمِّه مجمِّع بن جارية. وسيأتي تعليل الشافعي له بأن مجمع بن يعقوب شيخ لا يُعرَف، ولكن قد وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي فقالوا: لا بأس به. وعلّة هذا الخبر إنما هي الجهل بحال أبيه يعقوب بن مجّمع. انظر: «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٤١٩).