زاد المعاد

ومن هذا تضاعُفُ مقادير السيئات فيه لا كمِّيَّاتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن سيئةٌ كبيرةٌ جزاؤها مثلها، وصغيرُها جزاؤها مثلها١. فالسيئة في حرم الله وبلده على٢ بساطه أكبر وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض. ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه. فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات فيه، والله أعلم.

وقد ظهر سرُّ هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبُه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهو أولى بقول القائل:

محاسنُه هَيُولى كلِّ حُسْنٍومِغْناطيسُ أفئدةِ الرجال٣

ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس، أي: يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضُون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارةً ازدادوا له اشتياقًا.

لا يرجع الطرف عنها حين يبصرهاحتى يعود إليها الطرف مشتاقَا٤
  1. (١) الجملة «وصغيرها جزاؤها مثلها» ساقطة من ع، ك.
  2. (٢) ق، ن: «وعلى».
  3. (٣) أنشده ابن سنان في «سرِّ الفصاحة» (٢٤٩ - نشرة شعلان) للظاهر الجزري (ت ٤٠١ هـ) وهو بالظاء المعجمة فيما نصَّ عليه ابن ماكولا في «الإكمال» (٥/ ٢٤٠). وقد يرد في المصادر بالطاء المهملة. والبيت أورده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ١٠٦) أيضًا دون عزو.
  4. (٤) ع، ك: «حين ينظرها». والبيت لإبراهيم بن العباس الصولي في ديوانه ضمن «الطرائف الأدبية» (ص ١٤٧). ويروى لأبي نواس. انظر: «ديوانه» (٤/ ٩٢ - ط النشرات الإسلامية). وقد أنشده المؤلف في كتب أخرى له أيضًا. انظر تعليقي على «طريق الهجرتين» (٢/ ٧٢٦).
28

فللّه كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبِّها من الأموال والأرواح، ورضي المحِبُّ بمفارقة فِلَذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاقّ، وهو يستلذُّ ذلك كلَّه ويستطيبه، ويراه ــ لو ظهر سلطان المحبة في قلبه ــ أطيبَ من نعيم المتخلِّفين١ وترفُّههم٢ ولذَّاتهم.

وليس محبًّا من يعُدُّ شقاءَهعذابًا إذا ما كان يُرضِي حبيبَه٣

وهذا كلُّه سرُّ إضافته إليه سبحانه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]. فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته٤، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك. وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كَسَتهم من المحبة والجلالة٥ والوقار ما كستهم. فكلُّ ما أضافه الربُّ تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاختيار، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر وتخصيصًا وجلالةً زائدًا على ما له قبل الإضافة.

ولم يوفَّق لفهم هذا المعنى من سوَّى بين الأعيان والأفعال والأزمان

  1. (١) ق: «المتخلية»، وفي النسخ المطبوعة: «نعم المتحلية».
  2. (٢) ص، ج: «ترفهم».
  3. (٣) كذا ضُبط البيت في ج، ق، ك؛ ولم أقف عليه.
  4. (٤) وانظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢) و«روضة المحبين» (ص ٣٧٩).
  5. (٥) ع، ك: «المحبة والإجلال». وفي مب: «المحبة والجلال». وفي ق: «الجلالة والمحبة».
29

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي