ودخلت أسماء بنت عُمَيس على حفصة، فدخل عليها عمر فقال: من هذه؟ قالت: أسماء، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة نحن أحقُّ برسول الله ﷺ١،
فغضبت وقالت: يا عمر كلَّا والله! لقد كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعِم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البُعَداء البُغَضاء، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلتَ لرسول الله ﷺ، ونحن كنا نُؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: «ما قلتِ له؟» قالت: قلت له كذا وكذا، قال: «ليس بأحق بي منكم؛ له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم ــ أهلَ السفينة ــ هجرتان». فكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتون أسماءَ أرسالًا يسألونها عن هذا الحديث؛ ما من الدنيا شيء هم به أفرحُ ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ٢.
ولما قدم جعفر على النبي ﷺ تلقاه وقبَّل جبهته وقال: «والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟»٣.
(١) بعده في س، ن: «منكم»، وليست في سائر الأصول ولا في «الدلائل» وهو مصدر المؤلف ..
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ٣٢) وابن أبي شيبة (٣٢٨٧٠) والحاكم (٢/ ٦٢٤، ٣/ ٢١١) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٤٦) من طرق عن الأجلح بن عبد الله عن الشعبي باختلاف عليه في وصله عن جابر وإرساله، والمرسل أشبه. وله طريق آخر عن الشعبي، رواه مجالد بن سعيد ــ وهو ضعيف ــ عنه عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه بنحوه ضمن خبر طويل. أخرجه البزار (١٣٢٨) والبغوي في «معجم الصحابة» (٤٢٢) والطبراني في «الكبير» (٢/ ١١٠). وله شاهد من حديث أبي جُحيفة عند الطبراني (٢٢/ ١٠٠) بإسناد لا بأس به.
وأما ما روي في هذه القصة أن جعفرًا لما نظر إلى النبي ﷺ حَجَل، يعني: مشى على رجلٍ واحدة إعظامًا لرسول الله ﷺ، وجعله أشباهُ الدِّباب١ الرقَّاصُون٢ أصلًا لهم في الرقص= فقال البيهقي٣ ــ وقد رواه من طريق الثوري عن أبي الزبير عن جابر ــ: في إسناده إلى الثوري من لا يُعرَف.
(١) المراد بـ «الدباب» جمع «الدُّبِّ» الحيوان المعروف، وهذا الجمع لم يذكره أصحاب المعاجم وإنما ذكروا: «دِبَبة وأدباب»، واستعمله شيخ الإسلام أيضًا في «جامع المسائل» (١/ ٨٩) حيث قال وهو يصف بعض المبتدعة: «ويرقصون كرقص الدِّباب ونحوها من الحيوانات». والمراد الدِبَبة المعلّمة المدرَّبة التي يُرقّصها أصحابها في الأسواق ومجامع الناس.
(٢) ز، د: «الراقصون».
(٣) في «الدلائل» (٤/ ٢٤٦). وذِكر الثوري خطأ من بعض الرواة، وإنما هو سفيان بن عيينة، هكذا رواه العقيلي في «الضعفاء» (٦/ ١٣٤) ــ ومن طريقه في «العلل المتناهية» (٢/ ٩٦) ــ والطبراني في «الأوسط» (٦٥٥٩). وإسناده واه، فيه مكي بن عبد الله ــ في «الدلائل»: بن إبراهيم ــ الرُّعَيني. قال ابن يونس: روى مكي عن ابن عيينة مناكير لا يتابع عليه. «تاريخ الإسلام» (٥/ ١٢٦٢). وهناك قصة أخرى في حَجْل جعفر، وذلك حين قال له النبي ﷺ: «أشبهتَ خَلقي وخُلقي». أخرجه أحمد (٨٥٧) والبزار (٧٤٤) والبيهقي في «السنن» (١٠/ ٢٢٦) من حديث هانئ بن هانئ عن علي. وهانئ بن هانئ متكلم فيه، قال ابن المديني: مجهول، وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وأورده ابن حبان في «الثقات». وأصل الحديث عند البخاري (٢٦٩٩) من رواية البراء دون ذكر الحجل.