فللّه كم لها من قتيل وسليب وجريح! وكم أنفق في حبِّها من الأموال والأرواح، ورضي المحِبُّ بمفارقة فِلَذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطب والمشاقّ، وهو يستلذُّ ذلك كلَّه ويستطيبه، ويراه ــ لو ظهر سلطان المحبة في قلبه ــ أطيبَ من نعيم المتخلِّفين١ وترفُّههم٢ ولذَّاتهم.
وليس محبًّا من يعُدُّ شقاءَهعذابًا إذا ما كان يُرضِي حبيبَه٣
وهذا كلُّه سرُّ إضافته إليه سبحانه بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾[الحج: ٢٦]. فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته٤، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك. وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كَسَتهم من المحبة والجلالة٥ والوقار ما كستهم. فكلُّ ما أضافه الربُّ تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاختيار، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر وتخصيصًا وجلالةً زائدًا على ما له قبل الإضافة.
ولم يوفَّق لفهم هذا المعنى من سوَّى بين الأعيان والأفعال والأزمان
(١) ق: «المتخلية»، وفي النسخ المطبوعة: «نعم المتحلية».
(٥) ع، ك: «المحبة والإجلال». وفي مب: «المحبة والجلال». وفي ق: «الجلالة والمحبة».
والأماكن، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء، وإنما هو مجرَّد الترجيح بلا مرجِّح. وهذا القول باطل من أكثر١ من أربعين وجهًا قد ذُكِرت في غير هذا الموضع٢.
ويكفي تصوُّرُ هذا المذهب الباطل في فساده، فإنَّ مذهبًا يقتضي أن تكون ذواتُ الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة، وإنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها؛ وكذلك نفسُ البقاع واحدة بالذات ليس لبقعة على بقعة مزية البتة، وإنما هو بما يقع فيها من الأعمال الصالحة، فلا مزية لبقعة البيت والمسجد الحرام ومنًى وعرفة والمشاعر على أي بقعة سمَّيتها من الأرض، وإنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها٣.
والله سبحانه قد ردَّ هذا القول الباطل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتِهِ٤﴾[الأنعام: ١٢٤] أي: ليس كل أحد أهلًا ولا صالحًا لتحمل رسالاتِه٥، بل لها محالُّ مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا٦ لها،
(١) ما عدا ص، ج، مب: «بأكثر»، والمثبت هو أسلوب المؤلف.
(٢) لم أقف عليه، ولكن انظر: «أعلام الموقعين» (١/ ١١٥) و«شفاء العليل» (ص ٢٠٣).
(٣) السياق: «فإنَّ مذهبًا يقتضي ...» فطال وصف اسم إن، وحذف خبرها لدلالة السياق عليه.
(٤) في ق وحدها أثبتت الكلمة «رسالته» مع فتح التاء على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم. وفي غيرها كما أثبتنا على قراءة أبي عمرو السائدة في زمن المؤلف.