ثم أرسل العباس غلامًا له إلى الحجاج وقال له: اخلُ به وقل له: ويلك! ما جئت به؟ وما تقول؟ فالذي وعد اللهُ خيرٌ مما جئت به، فلما كلمه الغلام قال له: أَقْرِ أبا الفضل السلامَ وقل له: فليخلُ لي١ في بعض بيوته حتى آتيه، فإن الخبر على ما يسره، فلما بلغ العبدُ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، فوثب العباس فرحًا كأنه لم يصبه بلاء قط حتى جاءه وقبَّل ما بين عينيه، فأخبره بقول الحجاج، فأعتقه ثم قال: أخبرني، قال: يقول لك الحجاج: اخلُ له٢ في بعض بيوتك حتى يأتيك ظهرًا، فلما جاءه الحجاج وخلا به أخذ عليه لتكتُمَنَّ خبري، فوافقه عباس على ذلك، فقال له الحجاج: جئتُ وقد افتتح رسولُ الله ﷺ خيبر وغنم أموالهم وجرت فيها سهام الله، وإن رسول الله ﷺ قد اصطفى صفية بنت حُيَي لنفسه وأعرس بها، ولكن جئتُ لمالي أردت أن أجمعه وأذهب به، وإني استأذنت رسول الله ﷺ أن أقول فأذن لي٣، فأخفِ علي ثلاثًا ثم اذكر ما شئتَ.
قال: فجمعتْ له امرأته متاعَه ثم انشمر راجعًا، فلما كان بعد ثلاث أتى العباسُ امرأةَ الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ قالت: ذهب، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل، لقد شقَّ علينا الذي بلغك، فقال: أجل، لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أُحبُّ: فتح الله على رسوله خيبر وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه، وإن كان لكِ في زوجك حاجة فالحقي به، قالت: أظنك واللهِ صادقًا، قال: فإني والله صادق والأمر
(١) س، ث، ف، ب: «بي»، تصحيف.
(٢) المثبت من ز، س، ن، وهو مقتضى السياق. وفي سائر الأصول: «به».
(٣) بعده في المطبوع ومصادر التخريج: «أن أقول ما شئت»، وخلت منه الأصول.
على ما أقول لك، قالت: فمن أخبرك بهذا؟ قال: الذي أخبركِ بما أخبرك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريشٍ، فلما رأوه قالوا: هذا والله التجلد يا أبا الفضل، لا يصيبك إلا خير، قال: أجل، لم يصبني إلا خير والحمد لله، خبَّرني الحجاج بكذا وكذا، وقد سألني أن أكتم عليه ثلاثًا لحاجة؛ فردَّ الله ما كان بالمسلمين من كآبة وجزع على المشركين، وخرج المسلمون من مواضعهم حتى دخلوا على العباس فأخبرهم الخبر فأشرقت وجوه المسلمين.
فصل
فيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية
فمنها: محاربة الكفار ومقاتلتهم في الأشهر الحرم، فإن رسول الله ﷺ رجع من الحديبية في ذي الحجة، فمكث بها أيامًا ثم سار إلى خيبر في المحرَّم كذلك قال الزهري عن عروة عن مروان والمِسْوَر١. وكذلك قال الواقدي: خرج في أول سنة سبع من الهجرة٢. ولكن في الاستدلال بذلك نظر، فإن خروجه كان في أواخر المحرَّم لا في أوله، وفتحُها إنما كان في صفر.
وأقوى من هذا الاستدلالِ بيعةُ النبي ﷺ أصحابَه بيعةَ الرضوان عند الشجرة على القتال٣ وأن لا يفروا، وكانت في ذي القعدة. ولكن لا دليل في
(١) أسنده البيهقي في «الدلائل» (٤/ ١٩٧) من طريق ابن إسحاق عن الزهري به.
(٢) المؤلف صادر عن «الدلائل» (٤/ ١٩٧)، وإلا فلا مستدَلَّ في كلام الواقدي، فإن لفظه في «المغازي» (٢/ ٦٣٤): «خرج في صفرٍ سنةَ سبع ــ ويقال: خرج لهلال ربيع الأول ــ إلى خيبر».
(٣) السياق في س، ن: «بيعة النبي ﷺ أصحابَه تحت الشجرة بيعة الرضوان على القتال».