زاد المعاد

وفي «الصحيحين»١ أيضًا: أن عليًّا سمع ابن عباس يُليِّن في متعة النساء فقال: مهلًا يا ابن عباس، فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية. وفي لفظ للبخاري٢ عنه: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.

ولما رأى هؤلاء أن النبي ﷺ أباحها عام الفتح ثم حرمها قالوا: حُرِّمت ثم أبيحت ثم حرمت. قال الشافعي٣: لا أعلم شيئًا حرم ثم أبيح ثم حرم٤ إلا المتعة. قالوا: فنسخت مرتين.

وخالفهم في ذلك آخرون٥ وقالوا: لم تُحرَّم إلا عام الفتح، وقبل ذلك كانت مباحةً. قالوا: وإنما جمع عليُّ بن أبي طالب بين الإخبار بتحريمها وتحريم الحُمُر الأهلية لأن ابن عباس كان يبيحهما، فروى له علي تحريمهما عن النبي ﷺ ردًّا عليه، وكان تحريمُ الحمر يومَ خيبرَ بلا شك، فذَكَر يوم خيبر ظرفًا لتحريم الحمر، وأطلق تحريمَ المتعة ولم يُقيِّده بزمنٍ، كما جاء ذلك في «مسند الإمام أحمد» بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وحرم متعة النساء. وفي لفظ: حرم متعة النساء

  1. (١) البخاري (٦٩٦١) ومسلم (١٤٠٧/ ٣١) واللفظ له.
  2. (٢) برقم (٤٢١٦)، وهو أيضًا عند مسلم (١٤٠٧/ ٢٩، ٣٢).
  3. (٣) لم أجد كلامه في «الرسالة» و«الأم»، ولا نقله البيهقي في «معرفة السنن».
  4. (٤) بعده في جميع الأصول: «ثم أبيح»، إلا أنه ضُرب عليه في ز، س. ولعله كان سبق قلم من المؤلف.
  5. (٥) انظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد القاسم بن سلَّام (ص ٧٥)، و«مستخرج أبي عوانة» (١١/ ٢٤٧) ط. الجامعة الإسلامية.
412

وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. هكذا رواه سفيان بن عُيينة مفصَّلًا مميَّزًا١،

فظن بعض الرواة أن يوم خيبر زمن للتحريمين فقيّدهما به، ثم جاء بعضهم فاقتصر على أحد المُحرَّمَين وهو تحريم الحُمُر٢ وقيَّده بالظرف، فمن هاهنا نشأ الوهم.

وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتَّعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسولَ الله ﷺ، ولا نقله أحد قطُّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذِكرٌ البتة لا فعلًا ولا تحريمًا، بخلاف غزاة الفتح فإن قصة المتعة كانت فيها فعلًا وتحريمًا مشهورةً. وهذه الطريقة أصح الطريقتين.

وفيها طريقة ثالثة وهي أن رسول الله ﷺ لم يحرمها تحريمًا عامًّا البتة، بل حرمها عند الاستغناء عنها وأباحها عند الحاجة إليها، وهذه كانت طريقة

  1. (١) لم أجده باللفظين المذكورين عند أحمد، ولكن أخرجه برقم (٥٩٢) عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن الحسن وعبد الله ابني محمد ابن الحنفية، عن أبيهما أن عليًّا قال لابن عباس: «إن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر». وأخرجه أيضًا الحميدي (٣٧) والترمذي (١١٢١) والنسائي (٤٣٣٤) عن سفيان به، زاد الحميدي: قال سفيان: «يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، لا يعني نكاح المتعة».
    ورواه بعضهم عن سفيان فلم يضبطوا لفظه فجعلوا «يوم خيبر» ظرفًا لتحريم المتعة، كما عند مسلم (١٤٠٧/ ٣٠) وأبي يعلى (٥٧٦).
  2. (٢) كذا في جميع الأصول، وهو سبق قلم من المؤلف فإن السياق يقتضي: «تحريم المتعة»، وسيأتي على الصواب في فقه غزوة الفتح (ص ٥٦٩) حيث قال: «... واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: حرم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر، فجاء بالغلط البيِّن».
413

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي