ومنها: الأخذ في الأحكام بالقرائن والأمارات، كما قال النبي ﷺ لكنانة: «المال كثير والعهد قريب»، فاستدل بهذا على كذبه في قوله: أذهبتْه الحروبُ والنفقة.
ومنها: أن من كان القول قولَه، إذا قامت قرينة على كذبه لم يُلتفَت إلى قوله ونُزِّل منزلةَ الخائن.
ومنها: أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئًا مما شرط عليهم لم تبقَ لهم ذمة وحلَّت دماؤهم وأموالهم، لأن رسول الله ﷺ عقد لهؤلاء الهدنة وشرط عليهم أن لا يُغيِّبوا١ ولا يكتموا، فإن فعلوا حلَّت دماؤهم وأموالهم، فلما لم يَفُوا بالشرط استباح دماءهم وأموالهم. وبهذا اقتدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الشروط التي شرطها على أهل الذمة، فشرط عليهم أنهم متى خالفوا شيئًا منها فقد حلَّ له منهم ما يحل من أهل الشقاق والعداوة٢.
ومنها: جواز نسخ الأمر قبل فعله، فإن النبي ﷺ أمرهم بكسر القدور ثم نسخه عنهم بالأمر بغسلها.
ومنها: أن ما لا يؤكل لحمه لا يَطهُر بالذكاة لا جلدُه ولا لحمُه، وأن
(١) س: «يغزوا»، تصحيف.
(٢) أخرجه القاضي عبد الله بن أحمد بن زَبْر الرَّبعي (ت ٣٢٩) في «جزئه» في الشروط العمرية ــ كما في «مسند الفاروق» لابن كثير (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٨) ــ والبيهقي في «السنن» (٩/ ٢٠٢) وابن عساكر في «تاريخه» (٢/ ١٧٤ - ١٧٩) من طرق «يشد بعضها بعضًا» كما قال ابن كثير ﵀.
ذبيحته بمنزلة موته، وأن الذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم.
ومنها: أن من أخذ من الغنيمة شيئًا قبل قسمتها لم يملكه وإن كان دون حقِّه، وأنه إنما يملكه بالقسمة ولهذا قال في صاحب الشَّملة التي غلَّها: «إنها تشتعل عليه نارًا» وقال لصاحب الشِّراك الذي غله: «شِراك من نار»١.
ومنها: أن الإمام مُخيَّر في أرض العنوة بين قَسْمها وتَرْكِه٢ وقسمِ بعضِها وتركِ بعضها.
ومنها: جواز التفاؤل بل استحبابه بما يراه أو يسمعه مما هو من أسباب ظهور الإسلام وإعلامه، كما تفاءل النبيُّ ﷺ برؤية المساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر، فإن ذلك فأل في خرابها.
ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استُغني عنهم، كما قال النبي ﷺ: «نُقرُّكم ما أقركم الله» وقال لكبيرهم: «كيف بكَ إذا رقصت٣ بك راحلتُك نحو الشام يومًا ثم يومًا»، وأجلاهم عمر بعد
(١) أخرجه البخاري (٦٧٠) ومسلم (١١٥) من حديث أبي هريرة، وفيه أنهما أصابا ذلك من المغانم يوم خيبر، وسيأتي قصتهما عند ذكر انصراف النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القُرى.
(٢) أي: ترك القَسْم. في المطبوع: «قسمتها وتركها» خلافًا للأصول.
(٣) س: «وقصت»، تحريف. وفي مطبوعتي «صحيح ابن حبان» (التقاسيم ــ الإحسان): «أَفضَتْ»، ولعله تصحيف أيضًا. ومعنى «رقصت بك راحلتك» أي أسرعت، يقال: رقص البعير رَقَصًا ورَقَصانًا ــ بتحريك القاف فيهما ــ إذا أسرع في سيره. وبمعناه لفظ البخاري: «تعدُو بك قلوصك».