زاد المعاد

على المسلمين حتى أخذ مالَه من مكة من غير مضرة لحقت المسلمين١ من ذلك الكذب.

وأما ما نال مَن بمكة من المسلمين مِن الأذى والحزن فمفسدةٌ يسيرة في جنب المصلحة التي حصلت بالكذب، ولا سيما تكميلُ الفرح والسرور وزيادةُ الإيمان الذي حصل بالخبر الصادق بعد هذا الكذب، وكان الكذب سببًا في حصول هذه المصلحة الراجحة.

ونظير هذا: الإمامُ والحاكم يوهم الخصمَ خلاف الحق ليتوصَّل بذلك إلى استعلام الحق، كما أوهم سليمان بن داود إحدى المرأتين بشق الولد نصفين حتى توصَّل بذلك إلى معرفة عين الأم٢.

ومنها: جواز بناء الرجل بامرأته في السفر، وركوبِها معه على دابَّةٍ بين الجيش.

ومنها: أن من قتل غيره بسُمٍّ يَقتل مِثلُه قُتِل به قصاصًا، كما قُتلت اليهودية ببشر بن البراء.

ومنها: جواز الأكل من ذبائح أهل الكتاب وحِلُّ طعامهم.

ومنها: قبول هدية الكافر.

فإن قيل: فلعل المرأة قُتِلت لنقض العهد لحرابها بالسم لا قصاصًا. قيل: لو كان قتلها لنقض العهد لقتلت من حين أقرت بأنها سمَّت الشاة ولم يتوقَّف قتلُها على موت الآكل منها.

  1. (١) س: «بالمسلمين».
  2. (٢) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (٣٤٢٧، ٦٧٦٩) ومسلم (١٧٢٠).
421

فإن قيل: فهلا قُتلت بنقض العهد؟ قيل: هذا حجة من قال: إن الإمام مخيَّر في ناقض العهد كالأسير.

فإن قيل: فأنتم توجبون قتلَه حتمًا كما هو منصوص أحمد١، وإنما القاضي أبو يعلى ومن تبعه قالوا: يُخيَّر الإمام فيه.

قيل: إن كانت قصة الشاة قبل الصلح فلا حجة فيها، وإن كانت بعد الصلح فقد اختُلِف في نقض العهد بقتل المسلم على قولين، فمن لم يرَ النقض به فظاهر، ومن رأى النقض به فهل يتحتَّم قتلُه أو يخيَّر فيه؟ أو يُفصَّل بين بعض الأسباب الناقضة وبعضها، فيتحتَّم قتلُه بسبب السبِّ٢ ويُخيَّر فيه إذا نقضه بحِرابه ولحوقه بدار الحرب؟ وإن نقضه بسواهما، كالقتل، والزنا بالمسلمة، والتجسُّس على المسلمين، وإطلاع العدوِّ على عوراتهم، فالمنصوص: تعيُّنُ القتل.

وعلى هذا، فهذه المرأة لما سمَّت الشاة صارت بذلك محارِبةً، وكان قتلها مخيَّرًا فيه، فلما مات بعض المسلمين من السم قُتِلت حتمًا، إما قِصاصًا وإما لنقض العهد بقتلها المسلمَ، فهذا محتمل. والله أعلم.

واختُلِف في فتح خيبر: هل كان عنوةً، أو كان بعضها صلحًا وبعضها عنوةً؟

فروى أبو داود٣ من حديث أنس أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فأصبناها

  1. (١) انظر: «مسائل أحمد» برواية ابنه عبد الله (ص ٢٥٦).
  2. (٢) المطبوع: «السبب»، تصحيف.
  3. (٣) برقم (٣٠٠٩)، وقد أخرجه أيضًا البخاري (٣٧١) ومسلم (١٣٦٥) ضمن حديث طويل.
422

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي