قال أبو عمر: وهذا لو صح لكان معناه أن النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه، لأنها قسمت على ستة وثلاثين سهمًا، فوقع السهم للنبي ﷺ وطائفةٍ معه في ثمانية عشر سهمًا، ووقع سائر الناس في باقيها، وكلُّهم ممن شهد الحديبية ثم خيبر.
وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحًا، ولو كانت صلحًا لملكها أهلُها كما يملك أهل الصلح أرضهم وسائر أموالهم، فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب. هذا آخر كلام أبي عمر.
قلت: ذكر مالك١ عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوةً وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوةً وفيها صلح. قال مالك: والكَتِيبة أرضُ خيبرَ، وهو٢ أربعون ألف عذق.
وقال مالك٣ عن الزهري عن ابن المسيب أن رسول الله ﷺ افتتح بعض خيبر عنوةً.
فصل
ثم انصرف رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القُرى٤، وكان بها
(١) أسنده عنه أبو داود (٣٠١٧).
(٢) ص، د، ز: «وهوازن»، تحريف.
(٣) أسنده عنه أبو داود في الموضع السابق.
(٤) وادي القُرى معروف اليوم بوادي العُلا شمال المدينة على قرابة (٣٥٠) كيلًا. «معجم المعالم الجغرافية في السيرة» (ص ٢٥٠).
جماعة من اليهود، وقد انضاف إليهم جماعةٌ من العرب، فلما نزلوا استقبلهم يهودُ بالرمي وهم على غير تعبية، فقُتل مِدْعَمٌ عبد رسولِ الله ﷺ، فقال الناس١: هنيئًا له الجنة، فقال النبي ﷺ: «كلَّا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصِبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا»، فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول الله ﷺ بشراك أو شراكين، فقال النبي ﷺ: «شراك من نار» أو «شراكان من نار»٢.
فعبَّى٣ رسولُ الله ﷺ أصحابَه٤ للقتال وصفَّهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، ورايةً إلى الحُباب بن المنذر، ورايةً إلى سهل بن حُنَيف، ورايةً إلى عبَّاد بن بِشر، ثم دعاهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابُهم على الله، فبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله٥، ثم برز آخر فبرز إليه عليٌّ فقتله، حتى قُتِل منهم أحد عشر رجلًا، كلما قُتِل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام، وكانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام
(١) بعده في جميع الأصول: «قُتل مدعم ... فقال الناس»، تكرار لما سبق.
(٢) أخرجه البخاري (٤٢٣٤، ٦٧٠٧) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١) من حديثه أيضًا من طريق الواقدي مطوّلًا، وفيه ما سيأتي في الفقرات الثلاث الآتية إلى قوله: «وانصرف رسول الله ﷺ» راجعًا إلى المدينة.
(٣) كذا في الأصول بتسهيل الهمز. ورسمه في ز: «تعبّى».
(٤) ص، ز، د: «وأصحابه».
(٥) زِيد في المطبوع بعده: «ثم برز آخر فقتله»، وليس في شيء من الأصول ولا في «الدلائل».