زاد المعاد

عبد الله فزجر بعيرَه ثم اقتحم عن البعير يسوق القوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رِجله فقطعها، واقتحم اليسير وفي يده مِخْرَش من شَوحطٍ١ فضرب به وجه عبد الله فشجَّه مأمومةً٢، فانكفأ كلُّ رجلٍ من المسلمين على رديفه فقتله، غيرَ رجل من اليهود أعجزهم شدًّا، ولم يُصَبْ من المسلمين أحد، وقَدِموا على رسول الله ﷺ فبصق في شَجَّة عبد الله بن أنيس، فلم تَقِحْ ولم تُؤذه حتى مات٣.

ومنها: سرية بَشير بن سعد الأنصاري إلى بني مُرَّة بفَدَكٍ في ثلاثين رجلًا، فخرج إليهم فلقي رِعاءَ الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعم ورجع إلى المدينة، فأدركه الطلب عند الليل فباتوا يُرامونهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فولَّى منهم من ولى وأصيب من أصيب، وقاتل بشير قتالًا شديدًا، ورجع القوم بنعمهم وشائهم، وتحامل بشير حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه فرجع إلى المدينة٤.

  1. (١) المخرش هو المِحجن، عصا معقّفة الرأس. والشوحط: ضرب من شجر النَّبْع.
  2. (٢) أي: شجَّةً مأمومة، وهي التي بلغت أمَّ الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.
  3. (٣) ذكره موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري مرسلًا، كما في «الدلائل» (٤/ ٢٩٤). وروي عن أبي الأسود عن عروة بنحوه كما في «مغازي الواقدي» (٢/ ٥٢٢) و«الدلائل» (٤/ ٢٩٣)، وذكره أيضًا ابن إسحاق بنحوه، كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦١٨).
  4. (٤) أخرجه الواقدي (٢/ ٧٢٣) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٢٩٥) ــ عن عبد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه مرسلًا. وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وابنُ إسحاق هذه السرية عند تعداد البعوث والسرايا دون أن يسوقا خبرها. انظر: «الدلائل» (٥/ ٤٦٤، ٤٦٧).
433

ثم بعث رسول الله ﷺ سريةً إلى الحُرَقات من جُهَينة وفيهم أسامة بن زيد، فلما دنا منهم بعث الأمير الطلائع، فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى إذا دنا منهم ليلًا وقد احتلبوا وهدؤوا قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا أمري، فإنه لا رأي لمن لا يطاع» ثم رتَّبهم وقال: «يا فلان أنت وفلان، ويا فلان أنت وفلان، لا يفارق كلٌّ منكما صاحبَه وزميله، وإياكم أن يرجع أحد منكم فأقول: أين صاحبك؟ فيقول: لا أدري، فإذا كبَّرتُ فكبروا وجَرِّدوا السيوف»، ثم كبَّروا وحملوا حملةً واحدةً وأحاطوا بالقوم، وأخذتهم سيوفُ الله فَهُم يضعونها حيث شاؤوا منهم، وشِعارهم: «أمت أمت». وخرج أسامة في أثر رجل منهم يقال له: نَهِيك بن مِرداس١، فلما دنا منه ولَحَمَه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله. ثم استاقوا النساء٢ والنعم والذرية، وكانت سُهمانهم عشرة أبعرةٍ لكل رجل أو عدلها من النعم.

ولمَّا قدموا على رسول الله ﷺ أُخبِر بما صنع أسامة، فكَبُرَ ذلك عليه وقال: «أقتلتَه بعد ما قال: لا إله إلا الله؟» فقال: إنما قالها متعوِّذًا، قال: «فهلَّا شققت عن قلبه!» ثم قال: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» فما زال يكرِّر ذلك عليه حتى تمنى أن يكون أسلم يومئذ، وقال: يا رسول الله، أعطي الله عهدًا أن لا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «بعدي»،

  1. (١) كذا في جميع الأصول وفاقًا للواقدي، وغُيِّر في المطبوع إلى «مرداس بن نهيك» وفاقًا لما عند ابن إسحاق.
  2. (٢) س، المطبوع: «الشاء»، وهو كذلك في «مغازي الواقدي». والمثبت من الأصول موافق لما في «الدلائل».
434

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي