زاد المعاد

والصفات القائمة بها. وهذه الأقاويل١ وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة ونسبوها إليها وهي بريئة منها. وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمرٍ عامٍّ، وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة؛ لأن المختلفات قد تشترك في أمرٍ عامٍّ مع اختلافها في صفاتها النفسية.

وما سوَّى الله بين ذات المسك وذات البول أبدًا، ولا بين ذات الماء وذات النار أبدًا. والتفاوتُ الذي بين الأماكن الشريفة وأضدادها والذوات الفاضلة وأضدادها أعظمُ من هذا التفاوت بكثير. فبين ذات موسى وفرعون٢ من التفاوت أعظم مما بين ذات المسك والرجيع. وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت الشيطان٣ أعظم من هذا التفاوت٤ بكثير. فكيف تُجعَل البقعتان٥ سواءً في الحقيقة والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات؟!

ولم نقصد استيفاء الردِّ على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا. والله سبحانه لا يخصِّص شيئًا ولا يفضِّله ويرجِّحه إلا لمعنًى يقتضي

  1. (١) ما عدا ق، ن: «الأمور». وفي ص وضعت علامة اللحق بعده وكتب في الحاشية: «والأقاويل صح» يعني أن في الأصل الذي قوبلت النسخة عليه: «الأمور والأقاويل». وفي حاشية ع أيضًا ذكرت نسخة «الأقاويل».
  2. (٢) كذا في جميع الأصول، يعني: «وذات فرعون».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «السلطان»، تحريف.
  4. (٤) بعده فيما عدا ص، ج: «أيضًا».
  5. (٥) ن: «البقعات». وفي ك، ع: «النقيضان»، ولعله تحريف.
32

تخصيصه وتفضيله. نعم، هو معطي ذلك المرجِّح وواهبه، فهو الذي خلقه، ثم اختاره بعد خلقه، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].

ومن هذا: تفضيله بعض الأيام والشهور على بعض، فخير الأيام عنده يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، كما في «السنن»١ عنه ﷺ أنه قال: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرِّ٢». وقيل: يوم عرفة أفضل منه. وهذا هو المعروف عند أصحاب الشافعي، قالوا: لأنه يوم الحج الأكبر، وصيامه يكفِّر٣ سنتين، وما من يوم يُعتِق الله فيه الرقاب أكثر منه في يوم عرفة، ولأن الله سبحانه يدنو فيه، ثم يباهي ملائكته بأهل الموقف. والصواب القول الأول، لأن الحديث الدال على ذلك لا يعارضه شيء يقاومه.

والصواب أن يوم الحج الأكبر يوم النحر، لقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ﴾ [التوبة: ٣]. وثبت في «الصحيحين»٤ أن أبا بكر وعليًّا أذَّنا بذلك يوم النحر، لا يوم عرفة. وفي «سنن أبي داود»٥

  1. (١) أبو داود (١٧٦٥) والنسائي في «الكبرى» (٤٠٨٣) من حديث عبد الله بن قرط، وأخرجه أحمد (١٩٠٧٥) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٥/ ٣٤). صححه ابن خزيمة (٢٨٦٦) وابن حبان (٢٨١١) والحاكم (٤/ ٢٤٦).
  2. (٢) ص، ق، ع، مب، ن: «النفر». وفي (ك): «العشر». وكلاهما تصحيفُ ما أثبت من ج، وقد أصلح بعضهم ما كان فيها ثم جوَّده في الحاشية وفسَّره بأنه اليوم الذي بعد يوم النحر.
  3. (٣) ق، مب، ن: «مكفّر»، وأشير إلى هذه النسخة في حاشية ع.
  4. (٤) البخاري (٤٦٥٦) ومسلم (١٣٤٧).
  5. (٥) برقم (١٩٤٥) من حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه ابن ماجه (٣٠٥٨) وأبو عوانة (٣٥٥٥). علقه البخاري في «صحيحه» عقب (١٧٤٢) بصيغة الجزم، وصححه الحاكم (٢/ ٣٣٢). وأما قول المؤلف: «بأصحّ إسناد» ففيه نوع من التجوُّز.
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي