زاد المعاد

الحارث: فأقمتُ من حين زالت الشمس إلى الليل وما أرى أحدًا ولا طلبوه، إلا الرعب الذي دخله!١.

فصل

وبعث رسول الله ﷺ أبا حَدْرَد٢ الأسلمي في سرية وكان من قصته ما ذكر ابن إسحاق٣: أن رجلًا من جُشَم بن معاوية يقال له: قيس بن رفاعة ــ أو رفاعة بن قيس ــ أقبل في عدد كثير حتى نزلوا بالغابة يريد أن يجمع قيسًا على محاربة رسول الله ﷺ وكان ذا اسمٍ وشرف في جشم.

قال٤: فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين، فقال: «اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم»، وقدَّم لنا شارفًا عجفاءَ٥ فحمل عليها أحدنا فواللهِ ما قامت به ضعفًا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم

  1. (١) أخرجه الواقدي (٢/ ٧٢٧) ــ ومن طريقه البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠١) ــ عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري معضلًا. وقد ذكر ابن إسحاق هذه السرية عند تعداد البعوث والسرايا دون أن يسوق خبرها. انظر: «سيرة ابن هشام» (ص ٦١٢).
  2. (٢) المطبوع: «ابن أبي حدرد» خلافًا للأصول، لكنه موافق لما في «سيرة ابن هشام» من طريق البكائي عن ابن إسحاق. والمثبت من الأصول موافق لما نقله البيهقي في «الدلائل» من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق.
  3. (٣) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٢٩) و«الدلائل» للبيهقي (٤/ ٣٠٣) والمؤلف صادر عنه. وقد ذكر الواقدي أيضًا هذه السرية في «مغازيه» (٢/ ٧٧٧) ولكن سياقها يختلف عمّا ذكره ابن إسحاق، وأرَّخ لها بشعبان سنة ثمان.
  4. (٤) أي: أبو حدرد الأسلمي.
  5. (٥) الشارف هي التي شَرُفت في السن، أي أسنَّت وهَرِمت.
439

حتى استقلت وما كادت، وقال: «تبلَّغوا على هذه»، فخرجنا ومعنا سِلاحُنا من النبل والسيوف، حتى إذا جئنا قريبًا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرتُ صاحبَيَّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرتُ وشددت في العسكر فكبِّرا وشُدَّا معي، فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّةً أو نرى شيئًا وقد غشينا الليلُ حتى ذهبت فحمة العشاء.

وقد كان لهم راعٍ قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه وقال: والله لأتبعنَّ أثر راعينا هذا ولقد أصابه شرٌّ١، فقال نفر ممن معه: واللهِ لا تذهب نحن نكفيك، فقال: لا يذهب إلا أنا، قالوا: نحن معك، قال: والله لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى يمر٢ بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهمٍ فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، فوثبتُ إليه فاحتززت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر وكبَّرت، وشدَّ صاحباي وكبَّرا، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه: عندك عندك! بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم، واستقنا إبلًا عظيمةً وغنمًا كثيرةً فجئنا بها رسولَ الله ﷺ، وجئتُ برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيرًا في صداقي، فجمعتُ إليَّ أهلي، وكنت قد تزوجتُ امرأةً من قومي فأصدقتها مائتي درهم فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي فقال: «والله ما عندي ما أعينُك»، فلبثت أيامًا ــ ثم ذكر هذه السرية ــ.

  1. (١) ص، ز، د، ف: «شيء»، والمثبت من باقي الأصول موافق لمطبوعة «الدلائل».
  2. (٢) ص، ز، د: «مرّ».
440

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي