فلما قدموا أُخبِر رسول الله ﷺ بذلك فقال ﷺ: «أقتلتَه بعدما قال: آمنت بالله؟»١.
ولما كان عام حُنين٢ جاء عيينة بن بدر٣ يطلب بدم عامر بن الأضبط وهو سيِّدُ قيس، وكان الأقرع بن حابس يرد عن مُحلِّم وهو سيد خِندِف، فقال رسول الله ﷺ لقوم عامر: «هل لكم أن تأخذوا منَّا الآن خمسين بعيرًا وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟» فقال عيينة بن بدر: والله لا أدعه حتى أذيقَ نساءَه من الحرِّ مثلَ ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتى رضوا بالدية، فجاؤوا بمحلِّم حتى يستغفر له رسولُ الله ﷺ، فلما قام بين يديه قال: «اللهم لا تغفر لمحلِّم» قالها ثلاثًا، فقام وإنه ليتلقَّى دموعَه بطرف ثوبه٤. قال ابن إسحاق: وزعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٣/ ١٠٤٠) والبغوي في «معجم الصحابة» (١٤٧٣) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٤٢٦) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٦) من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق بإسناده السابق.
(٢) كذا في ن. وفي عامة الأصول والنسخ المطبوعة: «خيبر»، وهو تصحيف؛ إذ السرية كانت بعد خيبر فكيف يأتي عيينة يُطالب بدم المقتول فيها عام خيبر؟! فضلًا عن أن عيينة لم يكن مسلمًا عام خيبر، وسياق الخبر واضح أنه كان بعد إسلامه.
(٣) هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، نسبه إلى جدّه الأعلى.
(٤) أخرجه ابن هشام (٢/ ٦٢٧) وأحمد (٢٣٨٧٩) وأبو داود (٤٥٠٣) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٦) من طرق عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن زياد بن ضميرة بن سعد، عن عروة، عن أبيه ضميرة وجدّه، وكانا شهدا حنينًا مع رسول الله ﷺ. وفي إسناده ضعف لجهالة زياد بن ضميرة.
قال ابن إسحاق١: وحدثني سالم أبو النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم فقال: يا معشر قيسٍ، سألكم رسولُ الله ﷺ قتيلًا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسولُ الله ﷺ فيغضبَ الله عليكم لغضبه، أو يلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، والله لتُسلِمُنَّه إلى رسول الله ﷺ أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط فلأُبطِلنَّ٢ دمه، فلما قال ذلك أخذوا الدية.
فصل
في سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي
ثبت في «الصحيحين»٣ من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[النساء: ٥٩] في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسول الله ﷺ في سرية٤.
وثبت في «الصحيحين»٥ أيضًا من حديث الأعمش عن سعد٦ بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي ﵁ قال: استعمل
(١) كما أخرجه عنه ابن هشام (٢/ ٦٢٨) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٨).
(٢) كذا في الأصول. وفي المطبوع ومصدر النقل: «فلأَطُلَّنَّ»، وهما بمعنى.
(٣) البخاري (٤٥٨٤) ومسلم (١٨٣٤).
(٤) هذه السرية كانت في ربيع الآخر سنة تسع ــ أي: بعد غزوة الطائف ــ على ما ذكره ابن سعد (٢/ ١٤٩)، وسيُعيد المؤلف ذكرها هناك (ص ٦٤٥ - ٦٤٧).