قال ابن إسحاق١: وحدثني سالم أبو النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم فقال: يا معشر قيسٍ، سألكم رسولُ الله ﷺ قتيلًا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسولُ الله ﷺ فيغضبَ الله عليكم لغضبه، أو يلعنكم رسول الله ﷺ فيلعنكم الله بلعنته لكم، والله لتُسلِمُنَّه إلى رسول الله ﷺ أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط فلأُبطِلنَّ٢ دمه، فلما قال ذلك أخذوا الدية.
فصل
في سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي
ثبت في «الصحيحين»٣ من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[النساء: ٥٩] في عبد الله بن حُذافة السهمي بعثه رسول الله ﷺ في سرية٤.
وثبت في «الصحيحين»٥ أيضًا من حديث الأعمش عن سعد٦ بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن علي ﵁ قال: استعمل
(١) كما أخرجه عنه ابن هشام (٢/ ٦٢٨) والبيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٠٨).
(٢) كذا في الأصول. وفي المطبوع ومصدر النقل: «فلأَطُلَّنَّ»، وهما بمعنى.
(٣) البخاري (٤٥٨٤) ومسلم (١٨٣٤).
(٤) هذه السرية كانت في ربيع الآخر سنة تسع ــ أي: بعد غزوة الطائف ــ على ما ذكره ابن سعد (٢/ ١٤٩)، وسيُعيد المؤلف ذكرها هناك (ص ٦٤٥ - ٦٤٧).
(٥) البخاري (٤٣٤٠، ٧١٤٥) ومسلم (١٨٤٠).
(٦) كذا في س وهو الصواب، وفي سائر الأصول: «سعيد».
رسول الله ﷺ رجلًا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا، فقال: أوقدوا لي نارًا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار١، قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها؛ إنما الطاعة في المعروف». وهذا هو عبد الله بن حُذافة السهمي٢.
فإن قيل: فلو دخلوها لدخلوها طاعةً لله ورسوله في ظنهم فكانوا متأولين مخطئين، فكيف يخلَّدون فيها؟
قيل: لمَّا كان إلقاء نفوسهم في النار معصيةً يكونون بها قاتلي أنفسهم، فهمُّوا بالمبادرة إليها من غير اجتهاد منهم هل هو طاعة وقربة أو معصية= كانوا مُقْدِمين على ما هو محرَّم عليهم ولا تسوغ طاعة ولي الأمر فيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكانت طاعةُ مَن أمرهم بدخول النار معصيةً لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سبب العقوبة، لأنها نفس المعصية، فلو دخلوها لكانوا عصاةً لله ورسوله وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، فلم تَدفع طاعتُهم لوليِّ الأمر معصيتَهم لله ورسوله، لأنهم قد علموا
(١) زِيد في هامش ز مصححًا عليه: «أفندخلها»، وهو في لفظٍ عند البخاري (٧١٤٥).
(٢) يُشكل عليه أن حديث عليٍّ صريح بأن الأمير كان من الأنصار، وعبد الله بن حُذافة ليس كذلك، فإنه قرشي مُهاجري. وسيأتي (ص ٦٤٦ - ٦٤٧) استشكال المؤلف لهذا مع أمرين آخرين، وسيجيب عنها بقوله: «فإما أن يكون واقعتين، أو يكون حديث علي هو المحفوظ».