فلما قدم رسول الله ﷺ أمر أصحابه فقال: «اكشفوا عن المناكب واسعَوا في الطواف»١، ليرى المشركون جَلَدهم وقوتهم، وكان يُكايدهم بكل ما استطاع، فوقف أهل مكة الرجالُ والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ يرتجز متوشحًا بالسيف يقول:
خَلُّوا بني الكفار عن سبيلهقد أنزل الرحمنُ في تنزيله
في صحفٍ تتلى على رسولهيا رب إني مؤمن بقيله
إني رأيت الحقَّ في قبولهاليوم نَضرِبْكم على تأويله
ضربًا يزيل الهامَ عن مقيلهويُذهل الخليلَ عن خليله٢
وتغيَّب رجال من المشركين أن ينظروا إلى رسول الله ﷺ حنقًا وغيظًا، فأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثًا، فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العُزَّى، ورسولُ الله ﷺ في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب: نناشدك اللهَ والعقدَ لمَّا خرجتَ من
(١) هذا لفظ موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا، وله شواهد مسندة من حديث ابن عباس عند البخاري (٤٢٥٦) ومسلم (١٢٦٦)، ومن وجه آخر عنه عند أحمد (٢٦٨٢) وأبي داود (١٨٨٩) وابن حبان (٣٨١٢)، ومن حديث عمر عند أحمد (٣١٧) وأبي داود (١٨٨٧) وابن خزيمة (٢٧٠٨).
(٢) الأبيات ملّفقة من رواية موسى بن عقبة ورواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كلاهما عند البيهقي في «الدلائل» (٤/ ٣٢٣). وقد رويت بعض هذه الأبيات من حديث أنس عند الترمذي (٢٨٤٧) والنسائي (٢٨٧٣) وابن خزيمة (٢٦٨٠)، قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
أرضنا١ فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبتَ لا أمَّ لك! ليست بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يخرج! ثم نادى رسول الله ﷺ سُهيلًا أو حويطبًا فقال: «إني قد نكحت منكم امرأةً، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا»٢، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلَّا خرجت عنا، فأمر رسولُ الله ﷺ أبا رافع فأذَّن بالرحيل، وركب رسولُ الله ﷺ حتى نزل بطن سَرِف٣ فأقام بها وخلَّف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمسي، وأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها، وقد لقُوا أذًى وعناءً من سفهاء المشركين وصبيانهم، فبنى بها بسَرِف، ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة، وقدَّر الله أن يكون قبر ميمونة بسرف حيث بنى بها.
فصل
وأما قول ابن عباس: «إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال» فمما استُدرك عليه وعُدَّ من وهمه. قال سعيد بن المسيب: «وَهِل٤ ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوَّجها رسولُ الله ﷺ إلا بعد ما حل». ذكره البخاري٥.
(١) أي: إلَّا خرجت من أرضنا.
(٢) هذا لفظ موسى بن عقبة عن الزهري مرسلًا. وله شاهد بنحوه من حديث ابن عباس عند الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ١٧٣) والحاكم (٤/ ٣١) والضياء في «المختارة» (١١/ ٢١٦) بإسناد حسن.
(٣) وادٍ في شمال مكة في محلّة النَّوارية، ولا يزال معروفًا بهذا الاسم.
(٤) المطبوع: «ووهم» خلافًا للأصول ولـ «دلائل النبوة» وهو مصدر المؤلف.
(٥) برقم (١٨٣٧) مقتصرًا على قول ابن عباس من طريق عبد القدوس بن الحجاج عن الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عنه. وأخرجه مع قول ابن المسيب البيهقيُّ في «سننه» (٧/ ٢١٢) و«الدلائل» (٤/ ٣٣٢) من الطريق نفسه، والمؤلف صادر عن أحدهما، وإنما أخذ العزو من قول البيهقي عقبه: «رواه البخاري في الصحيح عن عبد القدوس بن الحجاج». وأخرج البخاري (٤٢٥٨) ومسلم (١٤١٠) قول ابن عباس أيضًا من طرق أخرى عنه. وأخرج أبو داود (١٨٤٥) قول ابن المسيب من طريق آخر عنه.